فصل
فأما الاستيطان فهو شرط في قول أكثر أهل العلم ، وهو الاستيطان في قرية على الأوصاف المذكورة لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء ، ولا تجب على مسافر ولا على مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف ، أو في بعض السنة .
فإن خربت القرية أو بعضها وأهلها مقيمون فيها عازمون على إصلاحها فحكمها باق في إقامة الجمعة بها وإن عزموا على النقلة عنها لم تجب عليهم لعدم الاستيطان .
هذه خلاصة أقوال أهل المذاهب الأربعة متفقة على اشتراط الوطن والاستيطان .
وإن اختلفت في صفة الوطن من مصر أو قرية أو نحوها مبينة بحجر أو طين أو أخشاب أو خيام ثابتة صيفا وشتاء على ما تقدم .
وقد انفرد أبو حنيفة ومعه صاحبه أبو يوسف باشتراط وجود الأمير والقاضي الذي يقيم الحدود احترازا من القاضي الذي لا يقيم الحدود ، كقاضي السوق ، أو إذا كان من يلي القضاء امرأة على مذهبه في ذلك وهي لا تقضي في الحدود لعدم جواز شهادتها فيها ، واكتفى الأئمة الثلاثة بمطلق الاستيطان ، ومعلوم أن الاستيطان يستلزم الإمارة شرعا وعقلا .
أما شرعا فلقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما من ثلاثة لا يؤمرون عليهم أميرا إلا استحوذ عليهم الشيطان » « 1 » .
وعقلا ، فإن مستوطنين لا تسلم أحوالهم من خلافات ومشاحة فيما بينهم فلا بد من شخص يرجعون إليه ، وهو في معنى الأمير المطلوب ، كما أن الاستيطان يستلزم السوق لحوائجهم كما هو معلوم عرفا .
وقد استدل الجمهور بحديث ابن عباس رضي اللّه عنه « أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقرية من قرى البحرين يقال لها جواثى » « 2 » وبحديث أبي أمامة أنه جمع بهم بالمدينة قبل مجيء النّبي صلى اللّه عليه وسلم في هزم من حرة بني بياضة يقال له : نقيع الخضمات « 3 » . مما لا يستلزم المصر الذي اشترطه أبو حنيفة رحمه اللّه ، وأجاب الأحناف عن ذلك بعدم المعارضة بين حديث
هامش
( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري أبو داود في الجهاد حديث 2608 .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) سبق تخريجه .