وزاد في سورة بني إسرائيل أن السماوات السبع والأرض يسبحن للّه مع ما فيهما من الخلق وأن تسبيح السماوات ونحوها من الجمادات يعلمه اللّه ونحن لا نفقهه أي لا نفهمه ، وذلك في قوله تعالى :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
[ الإسراء : 44 ] وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن تسبيح الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى :
وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ
[ الأنبياء : 79 ] ونحو ذلك تسبيح حقيقيّ يعلمه اللّه ونحن لا نعلمه .
والآية الكريمة فيها الرد الصريح ، على من زعم من أهل العلم ، أن تسبيح الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها ، لأن دلالة الكائنات على عظمة خالقها ، يفهمها كل العقلاء ، كما صرح اللّه تعالى بذلك في قوله
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ
- إلى قوله -
لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( 164 ) [ البقرة :
164 ] وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن .
وقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
( 15 ) [ الرعد : 15 ] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى :
فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ
[ الكهف : 77 ] الآية ، وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها
[ الأحزاب : 72 ] وفي غير ذلك من المواضع .
وقد عبر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله :
سَبَّحَ لِلَّهِ ،
وكذلك هو الحشر ، والصف ، وعبر في الجمعة والتغابن ، وغيرهما بقوله :
يُسَبِّحُ
[ الحشر : 24 ] بصيغة المضارع .
قال بعض أهل العلم : إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك التسبيح للّه ، هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض ، ودأبهم في الماضي والمستقبل ذكر معناه الزمخشريّ وأبو حيان .
وقوله :
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 1 ) قد قدمنا معناه مرارا وذكرنا أن العزيز ، هو الغالب الذي لا يغلبه شيء ، وأن العزة هي الغلبة ، ومنه قوله :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
[ المنافقون :
8 ] وقوله : وعزني في الخطاب : أي غلبني في الخصام ، ومن أمثال العرب من عزّ بزّ ، يعنون من غلب استلب ، ومنه قول الخنساء :
كأن لم يكونوا حمى يختشى * إذ الناس إذ ذاك من عز بزا
والحكيم ، هو من يضع الأمور في مواضعها ، ويوقعها في مواقعها .
وقوله :
ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .
غلب فيه غير العاقل وقد قدمنا في غير هذا الموضع ،