وهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة رحمهم اللّه ، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره ، من جميع علماء المسلمين .
فتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع ، ومن يدعي خلاف ذلك ، فليعين لنا رجلا واحدا من القرون الثلاثة الأول ، التزم مذهب رجل واحد معين ولن يستطيع ذلك أبدا ، لأنه لم يقع البتة .
وسنذكر هنا إن شاء اللّه جملا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به ، ومناقشتها . وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء اللّه .
قال الإمام أبو عمر بن عبد البر رحمه اللّه ، في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ، ما نصه :
باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع .
قد ذم اللّه تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من كتابه ، فقال :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ التوبة : 31 ] .
وروي عن حذيفة وغيره قالوا : « لم يعبدوهم من دون اللّه ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم فاتبعوهم » .
وقال عدي بن حاتم : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي عنقي الصليب فقال لي : « يا عدي :
ألق هذا الوثن من عنقك ، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
قال قلت يا رسول اللّه : إنا لم نتخذهم أربابا . قال بلى أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه ويحرمون عليكم ما أحل اللّه لكم فتحرمونه ؟ فقلت بلى فقال : تلك عبادتهم » .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري في قوله عز وجل :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون اللّه ما أطاعوهم ولكنهم أمروهم ، فجعلوا حلال اللّه حرامه ، وحرامه حلاله فأطاعوهم ، فكانت تلك الربوبية .
قال وحدثنا ابن وضاح ، ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري قال : قيل لحذيفة في قوله :
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ التوبة : 31 ] أكانوا يعبدونهم ؟ فقال لا ، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه .