تأتي لمعنيين أحدهما إرادة التعظيم فقط ، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلا ، لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم ، إنما يراد بها واحد .
والثاني أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف ، وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن القرآن العظيم . يكثر فيه جدا إطلاق اللّه جل وعلا ، على نفسه صيغة الجمع ، يريد بذلك تعظيم نفسه ، ولا يريد بذلك تعددا ولا أن معه غيره ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، كقوله تعالى
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر : 9 ] .
فصيغة الجمع في قوله :
إِنَّا
وفي قوله :
نَحْنُ
وفي قوله :
نَزَّلْنَا
وقوله :
لَحافِظُونَ
( 9 ) لا يراد بها أن معه منزلا للذكر ، وحافظا له غيره تعالى .
بل هو وحده المنزل له والحافظ له ، وكذلك قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
( 59 ) [ الواقعة : 58 - 59 ] وقوله
أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
( 69 ) [ الواقعة : 69 ] . وقوله :
أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
( 72 ) [ الواقعة : 72 ] ، ونحو هذا كثير في القرآن جدا ، وبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله :
إِنَّا .
وفي قوله : ( خلقنا ) وفي قوله :
عَمِلَتْ أَيْدِينا
[ يس : 71 ] إنما يراد بها التعظيم ، ولا يراد بها التعدد أصلا .
وإذا كان يراد بها التعظيم ، لا التعدد علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ،
لأنها دلت على صفة اليدين ، والجمع في قوله :
أَيْدِينا
لمجرد التعظيم .
وما كان كذلك لا يدل على التعدد فيطلب الدليل من غيره ، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حكم بذلك ، كالآيات المتقدمة .
وإن دل على معنى آخر حكم به .
فقوله مثلا :
وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
( 9 ) قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد ، وكذلك قوله :
أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
( 59 ) ،
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
( 69 ) ،
أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
( 72 ) فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد ، ومنزل واحد ، ومنشىء واحد .
وأما قوله :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
فقد دل البرهان القطعي ، على أن اللّه موصوف بصفة اليدين كما صرح به في قوله :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] كما تقدم إيضاحه قريبا .
وقد علمت أن صيغة الجمع في قوله :
لَحافِظُونَ
( 9 ) [ الحجر : 9 ] ، وقوله :
أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ
( 59 ) [ الواقعة : 59 ] وقوله :
أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ
( 69 ) [ الواقعة : 69 ] وقوله :
أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ
( 72 ) [ الواقعة : 72 ] وقوله :
خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا
[ يس : 71 ] لا يراد بشيء منه معنى الجمع ، وإنما يراد به التعظيم فقط .
وقد أجاب أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في