تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 801

مساهمون:

ص٨٠١
ما يدعو إليه ، وذكر تفاصيل ما يدعو إليه ، بتعريفهم لربهم بصفاته المقدسة ، وتنزيهه عمّا لا يليق بجلاله ، وذكر أنواع العبودية ، والدعوة إلى اللّه بأقرب طريق موصل إليه ، وإعطاء كل ذي حق حقه ، وإخلاص الدعوة إلى اللّه ، لا إلى نفسه وتعظيمها ، كما قد يعرض ذلك لكثير من النفوس في هذا المقام . وذلك كله
بِإِذْنِهِ
تعالى له في الدعوة وأمره وإرادته وقدره . الخامس : كونه
سِراجاً مُنِيراً
، وذلك يقتضي أن الخلق في ظلمة عظيمة ، لا نور يهتدى به في ظلماتها ، ولا علم يستدل به في جهاتها . حتى جاء اللّه بهذا النبي الكريم ، فأضاء اللّه به تلك الظلمات ، وعلم به من الجهالات ، وهدى به ضلالا إلى الصراط المستقيم . فأصبح أهل الاستقامة ، قد وضّح لهم الطريق ، فمشوا خلف هذا الإمام وعرفوا به الخير والشر ، وأهل السعادة من أهل الشقاوة ، واستناروا به ، لمعرفة معبودهم ، وعرفوه بأوصافه الحميدة ، وأفعاله السديدة ، وأحكامه الرشيدة . [ 47 ] وقوله :
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً
( 47 ) ذكر في هذه الجملة ، المبشّرين ، وهم المؤمنون ، وعند ذكر الإيمان بمفرده ، تدخل فيه الأعمال الصالحة . وذكر المبشّر به ، وهو الفضل الكبير ، أي : العظيم الجليل ، الذي لا يقادر قدره ، من النصر في الدنيا ، وهداية القلوب ، وغفران الذنوب ، وكشف الكروب ، وكثرة الأرزاق الدارّة ، وحصول النعم السارة ، والفوز برضا ربهم وثوابه ، والنجاة من سخطه وعقابه . وهذا مما ينشط العاملين ، أن يذكر لهم ، من ثواب اللّه على أعمالهم ، ما به يستعينون على سلوك الصراط المستقيم . وهذا من جملة حكم المشرع ، كما أن من حكمه ، أن يذكر في مقام الترهيب ، العقوبات المترتبة على ما يرهب منه ، ليكون عونا على الكف عمّا حرّم اللّه . ولما كان ثمّ طائفة من الناس ، مستعدة للقيام بصد الداعين إلى اللّه ، من الرسل وأتباعهم ، وهم المنافقون ، الّذين أظهروا الموافقة في الإيمان ، وهم كفرة فجرة في الباطن ، والكفار ظاهرا وباطنا ، نهى اللّه رسوله عن طاعتهم ، وحذره ذلك فقال : [ 48 ]
وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ
أي : في كلّ أمر يصد عن سبيل اللّه . ولكن لا يقتضي هذا أذاهم ، بل لا تطعهم
وَدَعْ أَذاهُمْ
فإن ذلك ، جالب لهم ، وداع إلى قبول الإسلام ، وإلى كف كثير من أذيتهم له ، ولأهله .
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
في إتمام أمرك ، وخذلان عدوك .
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
توكل إليه الأمور المهمة ، فيقوم بها ، ويسهلها على عبده . [ 49 ] يخبر تعالى المؤمنين ، أنهم إذا نكحوا المؤمنات ، ثمّ طلقوهن من قبل أن يمسوهن ، فليس عليهن في ذلك عدة تعتدها أزواجهن عليهن . وأمرهم بتمتيعهن بهذه الحالة ، بشيء من متاع الدنيا ، الذي يكون فيه جبر لخواطرهن ، لأجل فراقهن ، وأن يفارقوهن فراقا جميلا ، من غير مخاصمة ، ولا مشاتمة ، ولا مطالبة ، ولا غير ذلك . ويستدل بهذه الآية ، على أن الطلاق ، لا يكون إلا بعد النكاح . فلو طلقها قبل أن ينكحها ، أو علّق طلاقها على نكاحها ، لم يقع ، لقوله :
إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ
فجعل الطلاق بعد النكاح . فدل على أنه قبل ذلك لا محل له . وإذا كان الطلاق الذي هو فرقة تامة ، وتحريم تام ، لا يقع قبل النكاح ، فالتحريم الناقص ، لظهار ، أو إيلاء