تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 795

مساهمون:

ص٧٩٥
وعددهم . فأرسل اللّه عليهم ، ريحا عظيمة ، وهي ريح الصبا ، فزعزعت مراكزهم ، وقوّضت خيامهم ، وكفأت قدورهم وأزعجتهم ، وضربهم اللّه بالرعب ، فانصرفوا بغيظهم ، وهذا من نصر اللّه لعباده المؤمنين .
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
بما صنع لهم من الأسباب العادية والقدرية .
وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً
لا يغالبه أحد ، إلا غلب ، ولا يستنصره أحد ، إلا غلب ، ولا يعجزه أمر أراده ، ولا ينفع أهل القوة والعزة ، قوتهم وعزتهم ، إن لم يعنهم اللّه بقوته وعزته . [ 26 ]
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ
أي : عاونوهم
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
أي : من اليهود
مِنْ صَياصِيهِمْ
أي : أنزلهم من حصونهم ، نزولا مظفورا بهم ، مجعولين تحت حكم الإسلام .
وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ
فلم يقووا على القتال ، بل استسلموا وخضعوا وذلوا .
فَرِيقاً تَقْتُلُونَ
وهم الرجال المقاتلون
وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
من عداهم من النساء والصبيان . [ 27 ]
وَأَوْرَثَكُمْ
أي : غنّمكم
أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها
أي : أرضا كانت من قبل ، من شرفها وعزتها عند أهلها ، لا تتمكنون من وطئها . فمكّنكم اللّه منها ، ومن أهلها ، وخذلهم ، وغنمتم أموالهم ، وقتلتموهم ، وأسرتموهم .
وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً
لا يعجزه شيء ، ومن قدرته قدّر لكم ما قدّر . وكانت هذه الطائفة من أهل الكتاب ، هم بنو قريظة من اليهود ، في قرية خارج المدينة ، غير بعيدة . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حين هاجر إلى المدينة ، وادعهم ، وهادنهم ، فلم يقاتلهم ولم يقاتلوه ، وهم باقون على دينهم ، لم يغير عليهم شيئا . فلما رأوا يوم الخندق ، الأحزاب الّذين تحزبوا على رسول اللّه وكثرتهم ، وقلة المسلمين ، وظنوا أنهم سيستأصلون الرسول والمؤمنين ، وساعد على ذلك ، تدجيل بعض رؤسائهم عليهم ، نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومالئوا المشركين على قتاله . فلما خذل اللّه المشركين ، تفرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لقتالهم ، فحاصرهم في حصنهم . فنزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي اللّه عنه ، فحكم فيهم ، أن تقتل مقاتلتهم ، وتسبى ذراريهم ، وتغنم أموالهم . فأتم اللّه لرسوله والمؤمنين المنة ، وأسبغ عليهم النعمة ، وأقرّ أعينهم ، بخذلان من انخذل من أعدائهم ، وقتل من قتلوا ، وأسر من أسروا ، ولم يزل لطف اللّه بعباده المؤمنين مستمرا . [ 28 ] لما اجتمع نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الغيرة ، وطلبن منه أمرا لا يقدر عليه في كلّ وقت ، ولم يزلن في طلبهن متفقات ، وفي مرادهن متعنتات شقّ ذلك على الرسول ، حتى وصلت به الحال إلى أنه آلى منهن شهرا . فأراد اللّه أن يسهل الأمر على رسوله ، وأن يرفع درجة زوجاته ، ويذهب عنهن كلّ أمر ينقص أجرهن ، فأمر رسوله أن يخيرهن فقال :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها
أي : ليس لكن في غيرها مطلب ، وصرتن ترضين لوجودها ، وتغضبن لفقدها ، فليس لي فيكن إرب وحاجة ، وأنتن بهذه الحال .
فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ
شيئا مما عندي ، من الدنيا
وَأُسَرِّحْكُنَّ
أي : أفارقكن
سَراحاً جَمِيلًا
من دون مغاضبة ولا مشاتمة ، بل بسعة صدر ، وانشراح بال ، قبل أن تبلغ الحال إلى ما لا ينبغي . [ 29 ]
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ
أي : هذه الأشياء مرادكن ، وغاية مقصودكن ، وإذا حصل لكنّ اللّه ورسوله والجنة ، لما تبالين بسعة الدنيا وضيقها ، ويسرها وعسرها ، وقنعتن من رسول اللّه بما تيسر ، ولم تطلبن منه ما يشق عليه .
فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً
رتب الأجر على وصفهن بالإحسان ، لأنه السبب الموجب لذلك ، لا لكونهن زوجات الرسول فإن مجرد ذلك ، لا يكفي بل لا يفيد شيئا مع عدم الإحسان . فخيّرهن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، فاخترن كلهن اللّه ورسوله ، والدار الآخرة ، لم يتخلف منهن واحدة ، رضي اللّه عنهن . وفي هذا التخيير فوائد عديدة : منها : الاعتناء برسوله ، والغيرة عليه ، أن يكون بحالة يشق عليه كثرة مطالب زوجاته الدنيوية . ومنها : سلامته صلّى اللّه عليه وسلّم ، بهذا التخيير من تبعة حقوق الزوجات ، وأنه يبقى في حرية نفسه ، إن شاء