تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 700

مساهمون:

ص٧٠٠
بني إسرائيل ، وجعلتهم لك بمنزلة العبيد ، وأنا قد أسلمتني من تعبيدك وتسخيرك ، وجعلتها عليّ نعمة . فعند التصور ، يتبين أن الحقيقة ، أنك ظلمت هذا الشعب الفاضل ، وعذبتهم ، وسخرتهم بأعمالك . وأنا ، قد سلمني اللّه من أذاك ، مع وصول أذاك لقومي ، فما هذه المنّة ، التي تمن بها ، وتدلي بها ؟ [ 23 ]
قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) وهذا إنكار منه لربه ، ظلما وعلوا مع تيقن صحة ما دعاه إليه موسى [ 24 ] فقال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا
أي : الذي خلق العالم العلوي والسفلي ، ودبره بأنواع التدبير ، ورباه بأنواع التربية . ومن جملة ذلك ، أنتم أيها الخاطبون ، فكيف تنكرون خالق المخلوقات ، وفاطر الأرض والسماوات
إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
. [ 25 ] فقال فرعون متجهما ، ومعجبا بقوله :
أَ لا تَسْتَمِعُونَ
ما يقول هذا الرجل . [ 26 ] فقال موسى :
رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
تعجبتم أم لا ، استكبرتم ، أم أذعنتم . [ 27 ] فقال فرعون معاندا للحق ، قادحا ، بمن جاء به :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
حيث قال خلاف ما نحن عليه ، وخالفنا فيما ذهبنا إليه ، فالعقل عنده وأهل العقل ، من زعموا أنهم لم يخلقوا ، أو أن السماوات الأرض ، ما زالتا موجودتين من غير موجد وأنهم ، بأنفسهم ، خلقوا من غير خالق . والعقل عنده ، أن يعبد المخلوق الناقص ، من جميع الوجوه ، والجنون عنده ، أن يثبت الرب الخالق للعالم العلوي والسفلي ، المنعم بالنعم الظاهرة والباطنة ، ويدعى إلى عبادته . وزين لقومه هذا القول ، وكانوا سفهاء الأحلام ، خفيفي العقول
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
( 54 ) . [ 28 ] فقال موسى عليه السّلام ، مجيبا لإنكار فرعون وتعطيله لرب العالمين :
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما
من سائر المخلوقات
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
، فقد أديت لكم من البيان والتبيين ، ما يفهمه كل من له أدنى مسكة من عقل ، فما بالكم تتجاهلون فيما أخاطبكم به ؟ وفيه إيماء وتنبيه إلى أن الذي رميتم به موسى من الجنون ، أنه داؤكم فرميتم أزكى الخلق عقلا ، وأكملهم علما ، والحال أنكم ، أنتم المجانين ، حيث ذهبت عقولكم إلى إنكار أظهر الموجودات ، خالق الأرض والسماوات وما بينهما ، فإذا جحدتموه ، فأي شيء تثبتون ؟ وإذا جهلتموه ، فأي شيء تعلمون ؟ وإذا لم تؤمنوا به وبآياته ، فبأي شيء - بعد اللّه وآياته - تؤمنون ؟ تاللّه ، إن المجانين الّذين بمنزلة البهائم ، أعقل منكم ، وإن الأنعام السارحة ، أهدى منكم . [ 29 ] فلما خنقت فرعون الحجة ، وعجزت قدرته وبيانه عن المعارضة
قالَ
متوعدا لموسى بسلطانه
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
، زعم - قبحه اللّه - أنه قد طمع في إضلال موسى ، وأن لا يتخذ إلها غيره ، وإلا فقد تقرر أنه ، هو ومن معه ، على بصيرة من أمرهم . [ 30 ] فقال له موسى :
أَ وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ
أي : آية ظاهرة جلية ، على صحة ما جئت به ، من خوارق العادات . [ 31 - 32 ]
قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 31 ) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ
أي : ذكر الحيات ،
مُبِينٌ
ظاهر لكل أحد ، لا خيال ، ولا تشبيه . [ 33 ]
وَنَزَعَ يَدَهُ
من جيبه
فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ
أي : له نور عظيم ، لا نقص فيه لمن نظر إليها . [ 34 ]
قالَ
فرعون
لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ
معارضا للحق ، ومن جاء به
إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ
. [ 35 ]
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ
موّه عليهم لعلمه بضعف عقولهم ، أن هذا من جنس ما يأتي به السحرة ، لأنه من المتقرر عندهم ، أن السحرة يأتون من العجائب ، بما لا يقدر عليه الناس ، وخوّفهم أن قصده بهذا السحر ، التوصل إلى إخراجهم من وطنهم ، ليجدوا ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم ،
فَما ذا