تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
: فلذلك أذهب عقولهم ، وفرغ قلوبهم ، وملأها من الفزع ، وبلغت القلوب الحناجر ، وشخصت الأبصار ، وفي ذلك اليوم ، لا يجزي والد عن ولده ، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا . ويوم
يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
. . . ( 36 )
وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ
. . . ( 13 )
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) . وهناك يعض الظالم على يديه ، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ، وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه . وتنصب الموازين ، التي يوزن بها مثاقيل الذر ، من الخير والشر ، وتنشر صحائف الأعمال ، وما فيها من جميع الأعمال والأقوال ، والنيات ، من صغير وكبير ، وينصب الصراط على متن جهنم ، وتزلف الجنة للمتقين ، وبرزت الجحيم للغاوين . إذا رأتهم من مكان بعيد ، سمعوا لها تغيظا وزفيرا ، وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ، دعوا هنالك ثبورا ، ويقال لهم :
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
( 14 ) ، وإذا نادوا ربهم ، ليخرجهم منها ،
قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ
( 108 ) . قد غضب عليهم الرب الرحيم وحضرهم العذاب الأليم ، وأيسوا من كل خير ، ووجدوا أعمالهم كلها ، لم يفقدوا منها نقيرا ولا قطميرا . هذا ، والمتقون في روضات الجنات يحبرون ، وفي أنواع اللذات يتفكهون ، وفيما اشتهت أنفسهم خالدون . فحقيق بالعاقل ، الذي يعرف أن كل هذا أمامه ، أن يعدّ له عدّته ، وأن لا يلهيه الأمل ، فيترك العمل ، وأن تكون تقوى اللّه شعاره ، وخوفه دثاره ، ومحبة اللّه ، وذكره ، روح أعماله . [ 3 ] أي : ومن الناس طائفة وفرقة ، سلكوا طريق الضلال ، وجعلوا يجادلون بالباطل الحقّ . يريدون إحقاق الباطل ، وإبطال الحقّ ، والحال ، أنهم في غاية الجهل ما عندهم من العلم شيء ، وغاية ما عندهم ، تقليد أئمة الضلال ، من كل شيطان مريد ، متمرد على اللّه وعلى رسله ، معاند لهم ، قد شاقّ اللّه ورسوله ، وصار من الأئمة الّذين يدعون إلى النار . [ 4 ]
كُتِبَ عَلَيْهِ
أي : قدر على هذا الشيطان المريد
أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ
أي : اتبعه
فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ
عن الحقّ ، ويجنبه الصراط المستقيم
وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ
. وهذا نائب إبليس حقا ، فإن اللّه قال عنه :
إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ
. فهذا الذي يجادل في اللّه ، قد جمع بين ضلاله بنفسه ، وتصديه إلى إضلال الناس ، وهو متبع ، ومقلد لكل شيطان مريد ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ويدخل في هذا ، جمهور أهل الكفر والبدع ، فإن أكثرهم مقلدة ، يجادلون بغير علم . [ 5 ] يقول تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ
أي : شك واشتباه ، وعدم علم بوقوعه ، مع أن الواجب عليكم ، أن تصدقوا ربّكم ، وتصدقوا رسله في ذلك ، ولكن إذا أبيتم إلّا الريب ، فهاكم دليلين عقليين ، تشاهدونهما ، كل واحد منهما ، يدل دلالة قطعية على ما شككتم فيه ، ويزيل عن قلوبكم الريب . أحدهما : الاستدلال بابتداء خلق الإنسان ، وأن الذي ابتدأه ، سيعيده فقال فيه :
فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ
وذلك بخلق أبي
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 628 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي