تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 568

مساهمون:

ص٥٦٨
وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
( 96 ) . ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة ، وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض ، من الأهوال والزلازل العظام ، بدليل قوله :
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ
إلى
لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
أي : إذا نفخ إسرافيل في الصور ، أعاد اللّه الأرواح إلى الأجساد ، ثم حشرهم ، وجمعهم لموقف القيامة ، الأولين منهم والآخرين ، والكافرين والمؤمنين ، ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم ، فأما الكافرون - على اختلافهم - فإن جهنم جزاؤهم ، خالدين فيها أبدا . ولهذا قال : [ 100 ]
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً
( 100 ) كما قال تعالى :
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ *
أي : عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم ، وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها ، وحميمها ، وزمهريرها ، وليذوقوا من العقاب ، ما تبكم له القلوب ، وتصم الآذان . [ 101 ] وهذا آثار أعمالهم ، وجزاء أفعالهم ، فإنهم في الدنيا
كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي
أي : معرضين عن الذكر الحكيم ، والقرآن الكريم ، وقالوا :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
، وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات اللّه النافعة كما قال تعالى :
وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ
.
وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً
أي : لا يقدرون على سمع آيات اللّه الموصلة إلى الإيمان ، لبغضهم القرآن والرسول ، فإن المبغض ، لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه ، فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير ، فليس لهم سمع ولا بصر ، ولا عقل نافع ، فقد كفروا باللّه ، وجحدوا آياته ، وكذبوا رسله ، فاستحقوا جهنم ، وساءت مصيرا . [ 102 ] وهذا برهان وبيان ، لبطلان دعوى المشركين الكافرين ، الّذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء ، شركاء للّه يعبدونهم ، ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء ، ينجونهم من عذاب اللّه ، وينيلونهم ثوابه ، وهم قد كفروا باللّه وبرسوله . يقول اللّه لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول :
أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ
أي : لا يكون ذلك ولا يوالي ولي اللّه ، معاديا للّه أبدا ، فإن الأولياء موافقون للّه ، في محبته ، ورضاه ، وسخطه ، وبغضه ، فيكون على هذا المعنى ، مشابها لقوله تعالى :
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ
. فمن زعم أنه يتخذ وليّ اللّه وليا له ، وهو معاد للّه ، فهو كاذب ، ويحتمل - وهو الظاهر - أن المعنى : أفحسب الكفار باللّه ، المنابذون لرسله ، أن يتخذوا من دون اللّه أولياء ينصرونهم ، وينفعونهم من دون اللّه ، ويدفعون عنهم الأذى ؟ هذا حسبان باطل ، وظن فاسد ، فإن جميع المخلوقين ، ليس بيدهم من النفع والضر ، شيء . ويكون هذا ، كقوله تعالى :
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا
( 56 ) ،
وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ
، ونحو ذلك من الآيات التي يذكر اللّه فيها ، أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه ، ضال خائب الرجاء غير نائل لبعض مقصوده .
إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا
أي : ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم ، وبئست جهنم ، ضيافتهم . [ 103 - 104 ] أي : قل يا محمد ، للناس - على وجه التحذير والإنذار - : هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق ؟
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
أي : بطل واضمحل كل ما عملوه ، من عمل ، وهم يحسبون أنهم محسنون في صنعه ، فكيف بأعمالهم ، التي يعلمون أنها باطلة ، وأنها محادة للّه ورسله ، ومعاداة ؟ فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم ، فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ؟ ألا ذلك هو الخسران المبين . [ 105 - 106 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ
أي : جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية ، الدالة على وجوب الإيمان به ، وملائكته ، ورسله ، وكتبه ، واليوم الآخر .
فَحَبِطَتْ
بسبب ذلك
أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً
لأن الوزن فائدته ، مقابلة الحسنات بالسيئات ، والنظر في الراجح منها والمرجوح ، وهؤلاء ، لا حسنات لهم ، لعدم شرطها ، وهو : الإيمان ، كما قال تعالى :
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً