تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
نصب وجوع ، أو عطش ، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا ، لقول موسى :
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
. ومنها : استحباب كون خادم الإنسان ، ذكيا فطنا كيسا ، ليتم له أمره الذي يريده . ومنها : استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله ، وأكلهما جميعا ، لأن ظاهر قوله :
آتِنا غَداءَنا
إضافة إلى الجميع ، أنه أكل هو ، وهو جميعا . ومنها : أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به ، وأن الموافق لأمر اللّه ، يعان ما لا يعان غيره لقوله :
لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً
والإشارة إلى السفر المجاوز ، لمجمع البحرين . وأما الأول ، فلم يشتك منه التعب ، مع طوله ، لأنه هو السفر على الحقيقة . وأما الأخير ، فالظاهر أنه بعض يوم ، لأنهم فقدوا الحوت حتّى أووا إلى الصخرة . فالظاهر أنهم باتوا عندها ، ثم ساروا من الغد ، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه :
آتِنا غَداءَنا
، فحينئذ تذكر أنه نسيه ، في الموضع الذي إليه منتهى قصده . ومنها : أن ذلك العبد الذي لقياه ، ليس نبيا ، بل عبدا صالحا ، لأنه وصفه بالعبودية ، وذكر منّة اللّه عليه بالرحمة والعلم ، ولم يذكر رسالته ولا نبوته ، ولو كان نبيا ، لذكر ذلك ، كما ذكره غيره . وأما قوله في آخر القصة :
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
فإنه لا يدل على أنه نبي ، وإنما يدل على الإلهام والتحديث ، كما يكون لغير الأنبياء ، كما قال تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
،
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً
. ومنها : أن العلم الذي يعلمه اللّه لعباده نوعان : علم مكتسب يدركه العبد بجهده واجتهاده ، ونوع علم لدني ، يهبه اللّه لمن يمن عليه من عباده لقوله :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
. ومنها : التأدب مع المعلم ، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب ، لقول موسى عليه السّلام :
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة ، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا ، وإقراره بأنه يتعلم منه ، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر ، الّذين لا يظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه بل يدعون أنهم يتعاونون هم وإياه ، بل ربما ظن أحدهم أنه يعلم معلمه ، وهو جاهل جدا ، فالذل للمعلم ، وإظهار الحاجة إلى تعليمه ، من أنفع شيء للمتعلم . ومنها : تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه فإن موسى - بلا شك - أفضل من الخضر . ومنها : تعلم العالم الفاضل ، للعلم الذي لم يتمهر فيه ، ممن مهر فيه ، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة . فإن موسى عليه السّلام من أولي العزم من المرسلين ، الّذين منحهم اللّه ، وأعطاهم من العلم ، ما لم يعط سواهم ، ولكن في هذا العلم الخاص ، كان عند الخضر ، ما ليس عنده ، فلهذا حرص على التعلم منه . فعلى هذا ، ينبغي للفقيه المحدث ، إذا كان قاصرا في علم النحو ، أو الصرف ، أو نحوهما من العلوم ، أن يتعلمه ممن مهر فيه ، وإن لم يكن محدثا ولا فقيها . ومنها : إضافة العلم وغيره من الفضائل ، للّه تعالى ، والإقرار بذلك ، وشكر اللّه عليها لقوله :
تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ
أي : مما علمك اللّه تعالى . ومنها : أن العلم النافع ، هو العلم المرشد إلى الخير ، فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير ، وتحذير عن طريق الشر ، أو وسيلة لذلك ، فإنه من العلم النافع ، وما سوى ذلك ، فإما أن يكون ضارا ، أوليس فيه فائدة لقوله :
أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
. ومنها : أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم ، وحسن الثبات على ذلك ، أنه ليس بأهل لتلقي العلم ، فمن لا صبر له ، لا يدرك العلم ، ومن استعمل الصبر ولازمه ، أدرك به كل أمر سعى فيه ، لقول الخضر - يعتذر عن موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه : إنه لا يصبر معه . ومنها : أن السبب الكبير لحصول الصبر ، إحاطة الإنسان علما وخبرة ، بذلك الأمر ، الذي أمر بالصبر عليه ، وإلّا فالذي لا يدريه ، أو لا يدري غايته ولا نتيجته ، ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله :
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
( 68 ) فجعل الموجب لعدم صبره ، عدم إحاطته خبرا بالأمر . ومنها : الأمر بالتأني والتثبت ، وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء ، حتى يعرف ما يراد منه ، وما هو المقصود . ومنها : تعليق الأمور المستقبلة التي من أفعال العباد بالمشيئة ، وأن لا يقول الإنسان للشيء : إني فاعل ذلك في المستقبل ، إلّا أن يقول « إن شاء اللّه » . ومنها : أن العزم على فعل الشيء ، ليس بمنزلة فعله ، فإن موسى قال :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً
فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل . ومنها : أن