تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
نوره ، وإخماد كلمته ، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم ، ولا يحيق المكر السيّئ إلا بأهله ، فقال :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
أي : ليبطلوا الحقّ ، وينصروا الباطل ، ويبطل توحيد الرحمن ، ويقوم دين عبادة الأوثان .
فَسَيُنْفِقُونَها
أي : فسيصدرون هذه النفقة ، وتخف عليهم ، لتمسكهم بالباطل ، وشدة بغضهم للحق ،
ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
أي : ندامة ، وخزيا ، وذلا .
ثُمَّ يُغْلَبُونَ
فتذهب أموالهم ، وما أملوا ، ويعذبون في الآخرة أشد العذاب ، ولهذا قال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
أي : يجمعون إليها ، ليذوقوا عذابها ، وذلك لأنها دار الخبث والخبثاء ، واللّه تعالى يريد أن يميز الخبيث من الطيب ، ويجعل كل واحد على حدة ، وفي دار تخصه ، فيجعل الخبيث بعضه على بعض ، من الأعمال والأموال والأشخاص .
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
الّذين خسروا أنفسهم ، وأهليهم يوم القيامة ، ألا ذلك هو الخسران المبين . [ 38 - 40 ] هذا من لطفه تعالى بعباده لا يمنعه كفر العباد ، ولا استمرار هم في العناد ، من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى ، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي والردى ، فقال :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا
عن كفرهم ، وذلك بالإسلام للّه وحده لا شريك له .
يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
منهم من الجرائم
وَإِنْ يَعُودُوا
إلى كفرهم وعنادهم
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ
بإهلاك الأمم المكذبة ، فلينتظروا ما حل بالمعاندين ، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون . فهذا خطابه للمكذبين ، وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين فقال :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
أي : شرك ، وصد عن سبيل اللّه ويذعنوا لأحكام الإسلام ،
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
. فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين ، أن يدفع شرهم عن الدين ، وأن يذب عن دين اللّه ، الذي خلق الخلق له ، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان .
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن ما هم عليه من الظلم
فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
لا تخفى عليه منهم خافية .
وَإِنْ تَوَلَّوْا
عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى
الذي يتولى عباده المؤمنين ، ويوصل إليهم مصالحهم ، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية ،
وَنِعْمَ النَّصِيرُ
الذي ينصرهم ، فيدفع عنهم كيد الفجار ، وتكالب الأشرار . ومن كان اللّه مولاه وناصره فلا خوف عليه ومن كان اللّه عليه ، فلا عزّ له ، ولا قائمة تقوم له . [ 41 ] يقول تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
أي : أخذتم من مال الكفار قهرا بحق ، قليلا كان أو كثيرا ،
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ
أي : وباقيه لكم ، أيها الغانمون ، لأنه أضاف الغنيمة إليهم ، وأخرج منها خمسها ، فدل على أن الباقي لهم ، يقسم على ما قسمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : للراجل سهم ، وللفارس سهمان سهم لفرسه ، وسهم له . وأما هذا الخمس ، فيقسم خمسة أسهم ، سهم للّه ولرسوله ، يصرف في مصالح المسلمين العامة ، من غير تعيين لمصلحة ، لأن اللّه جعله له ولرسوله ، واللّه ورسوله غنيان عنه ، فعلم أنه لعباد اللّه ، فإذا لم يعين اللّه له مصرفا ، دل على أن مصرفه للمصالح العامة . والخمس الثاني : لذي القربى ، وهم قرابة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من بني هاشم ، وبني المطلب ، وأضافه اللّه إلى
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 364 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي