تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
بَنانٍ
أي : مفصل . وهذا خطاب ، إما للملائكة الّذين أوحى إليهم أن يثبتوا الّذين آمنوا ، فيكون في ذلك دليل ، أنهم باشروا القتال يوم بدر ، أو للمؤمنين يشجعهم اللّه ، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين ، وأنهم لا يرحمونهم . [ 13 ]
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أي : حاربوهما ، وبارزوهما بالعداوة .
وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
ومن عقابه تسليط أوليائه على أعدائه ، وتقتيلهم . [ 14 ]
ذلِكُمْ
العذاب المذكور
فَذُوقُوهُ
أيها المشاقون للّه ورسوله عذابا معجلا ،
وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ
. وفي هذه القصة من آيات اللّه العظيمة ، ما يدل على أن ما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم رسول اللّه حق . منها : أن اللّه وعدهم وعدا ، فأنجزهموه . ومنها : ما قال اللّه تعالى :
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
الآية . ومنها : إجابة دعوة اللّه للمؤمنين ، لما استغاثوه ، بما ذكره من الأسباب ، وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين ، وتقييض الأسباب ، التي بها ثبت إيمانهم ، وثبتت أقدامهم ، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية . ومنها : أن من لطف اللّه بعبده ، أن يسهل عليه طاعته ، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية . [ 15 - 16 ] أمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية ، والقوة في أمره ، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان . ونهاهم عن الفرار ، إذا التقى الزحفان فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً
أي : صف القتال ، وتزاحف الرجال ، واقتراب بعضهم من بعض ،
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
، بل اثبتوا لقتالهم ، واصبروا على جلادهم ، فإن في ذلك نصرة لدين اللّه ، وقوة لقلوب المؤمنين ، وإرهابا للكافرين .
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ
أي : رجع
بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ
أي : مقره
جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
. وهذا يدل على أن الفرار من الزحف ، من غير عذر ، من أكبر الكبائر ، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد . ومفهوم الآية : أن المتحرف للقتال ، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى ، ليكون أمكن له في القتال ، وأنكى لعدوه ، فإنه لا بأس بذلك ، لأنه لم يول دبره فارا ، وإنّما ولى دبره ، ليستعلي على عدوه ، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته ، أو ليخدعه بذلك ، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين . وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار ، فإن ذلك جائز ، فإن كانت الفئة في العسكر ، فالأمر في هذا واضح . وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين ، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز ، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون ، أن الانهزام أحمد عاقبة ، وأبقى عليهم . أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم ، فيبعد - في هذه الحال - أن تكون من الأحوال المرخص فيها ، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه ، وهذه الآية مطلقة ، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد . [ 17 ] يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر ، وقتلهم المسلمون -
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
بحولكم وقوتكم
وَلكِنَّ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 359 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي