تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
ولحيته
يَجُرُّهُ إِلَيْهِ
وقال له :
ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) لك بقولي :
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
.
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
، و
قالَ
هنا
ابْنَ أُمَّ
هذا ترقيق لأخيه ، بذكر الأم وحدها ، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه .
إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي
أي : احتقروني حين قلت لهم :
يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
،
وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي
أي : فلا تظن بي تقصيرا
فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ
بنهرك لي ، ومسكك إياي بسوء ، فإن الأعداء ، حريصون على أن يجدوا عليّ عثرة ، أو يطلعوا لي على زلة ،
وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
فتعاملني معاملتهم . [ 151 - 152 ] فندم موسى عليه السلام على ما استعجل من صنعه بأخيه ، قبل أن يعلم براءته ، مما ظنه فيه من التقصير ، و
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي
هارون
وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ
أي : في وسطها ، واجعل رحمتك تحيط بنا من كل جانب ، فإنها حصن حصين ، من جميع الشرور ، وثمّ كل خير وسرور .
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
أي : أرحم بنا من كل راحم ، أرحم بنا من آبائنا ، وأمهاتنا ، وأولادنا ، وأنفسنا . قال اللّه تعالى - مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ
إلها
سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره .
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
فكل مفتر على اللّه ، كاذب على شرعه ، متقول عليه ما لم يقل ، فإن له نصيبا من الغضب ، من اللّه ، والذل في الحياة الدنيا ، وقد نالهم غضب اللّه ، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم ، وأنه لا يرضى اللّه عنهم إلا بذلك . [ 153 ] فقتل بعضهم بعضا ، وانجلت المعركة ، عن كثير من القتلى ثم تاب اللّه عليهم بعد ذلك ، ولهذا ذكر حكما عاما يدخلون فيه وغيرهم فقال :
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ
من شرك ، وكبائر ، وصغائر
ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها
بأن ندموا على ما مضى ، وأقلعوا عنه ، وعزموا على أن لا يعودوا
وَآمَنُوا
باللّه ، وبما أوجب اللّه من الإيمان به ، ولا يتم الإيمان إلا بأعمال القلوب ، وأعمال الجوارح المترتبة على الإيمان
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها
أي : بعد هذه الحالة ، حالة التوبة من السيئات والرجوع إلى الطاعات ،
لَغَفُورٌ
يغفر السيئات ويمحوها ، ولو كانت ملء قراب الأرض ،
رَحِيمٌ
بقبول التوبة ، والتوفيق لأفعال الخير وقبولها . [ 154 ]
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ
أي : سكن غضبه ، وتراجعت نفسه ، وعرف ما هو فيه ، اشتغل بأهم الأشياء عنده ، ف
أَخَذَ الْأَلْواحَ
التي ألقاها ، وهي ألواح عظيمة المقدار ، جليلة
وَفِي نُسْخَتِها
أي : مشتملة ومتضمنة
هُدىً وَرَحْمَةٌ
أي : فيها الهدى من الضلالة ، وبيان الحق من الباطل ، وأعمال الخير ، وأعمال الشر ، والهدى لأحسن الأعمال ، والأخلاق ، والآداب ، ورحمة وسعادة ، لمن عمل بها ، وعلم أحكامها ومعانيها ، ولكن ليس كل أحد يقبل هدى اللّه ورحمته ، وإنما يقبل ذلك وينقاد له ، ويتلقاه بالقبول
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
، أي : يخافون منه ويخشونه . وأما من لم يخف اللّه ، ولا المقام بين يديه ، فإنه لا يزداد بها ، إلا عتوا ونفورا ، وتقوم عليه حجة اللّه فيها . [ 155 ]
وَ
لما تاب بنو إسرائيل وتراجعوا إلى رشدهم
اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ
أي : منهم
سَبْعِينَ رَجُلًا
من خيارهم ، ليعتذروا لقومهم عند ربهم ، ووعدهم اللّه ميقاتا يحضرون فيه ، فلما حضروه ، قالوا : يا موسى ،
أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً
فتجرءوا على اللّه جراءة كبيرة ، وأساءوا الأدب معه ، ف
أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
فصعقوا وهلكوا . فلم يزل موسى عليه الصلاة والسلام ، يتضرع إلى اللّه ويتبتل
قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ
أن يحضروا ويكونوا في حالة يعتذرون فيها لقومهم ، فصاروا هم الظالمين .
وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا
أي : ضعفاء العقول ، سفهاء الأحلام ، فتضرع إلى اللّه ، واعتذر بأن المجترئين على اللّه ، ليس لهم عقول كاملة ، تردعهم عما قالوا وفعلوا ، وبأنهم حصل لهم فتنة يخطر بها الإنسان ، ويخاف من ذهاب دينه فقال :
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ