تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
الكتاب والسنّة ، من هذا ، شيء كثير . وفيه أن من جملة أشراط الساعة ، طلوع الشمس من مغربها . وأن اللّه تعالى حكيم ، قد جرت عادته وسنّته ، أن الإيمان إنّما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا ، كما تقدم . وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه . فالطاعة والبر والتقوى إنّما تنفع وتنمو ، إذا كان مع العبد إيمان . فإذا خلا القلب من الإيمان لم ينفعه شيء من ذلك . [ 159 ] يتوعد تعالى ، الّذين فرقوا دينهم ، أي : شتتوه وتفرقوا فيه ، وكلّ أخذ لنفسه نصيبا من الأسماء ، التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئا ، كاليهودية ، والنصرانية ، والمجوسية . أو لا يكمل بها إيمانه ، بأن يأخذ من الشريعة شيئا ، ويجعله دينه ، ويدع مثله . أو ما هو أولى منه ، كما هو حال أهل الفرقة ، من أهل البدع والضلال والمفرقين للأمة . ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف ، وينهى عن التفرق والاختلاف في أهل الدين ، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية . وأمره أن يتبرأ ممن فرقوا دينهم فقال :
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
أي : لست منهم ، وليسوا منك ، لأنهم خالفوك وعاندوك .
إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ
يردون إليه ، فيجازيهم بأعمالهم
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ
. [ 160 ] ثمّ ذكر صفة الجزاء فقال :
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ
القولية والفعلية ، الظاهرة ، والباطنة ، المتعلقة بحق اللّه ، أو حق خلقه .
فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
هذا أقل ما يكون من التضعيف .
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها
وهذا من تمام عدله تعالى وإحسانه ، وأنه لا يظلم مثقال ذرة ، ولهذا قال :
وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
. [ 161 ] يأمر تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلم ، أن يقول ويعلن ، بما هو عليه من الهداية إلى الصراط المستقيم : الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة ، والأعمال الصالحة ، والأمر بكل حسن ، والنهي عن كل قبيح ، الذي عليه الأنبياء والمرسلون ، خصوصا إمام الحنفاء ، ووالد من بعث من بعد موته ، من الأنبياء ، خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، وهو الدين الحنيف ، المائل عن كل دين غير مستقيم ، من أديان أهل الانحراف ، كاليهود ، والنصارى ، والمشركين . [ 162 ] وهذا عموم ، ثمّ خصّص من ذلك أشرف العبادات فقال :
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي
أي : ذبحي ، وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما ، ودلالتهما على محبة اللّه تعالى ، وإخلاص الدين له ، والتقرب إليه بالقلب واللسان ، والجوارح ، وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس ، من المال ، لما هو أحب إليها ، وهو اللّه تعالى . ومن أخلص في صلاته ونسكه ، استلزم ذلك إخلاصه للّه في سائر أعماله وأقواله .
وَمَحْيايَ وَمَماتِي
أي : ما آتيه في حياتي ، وما يجريه اللّه عليّ ، وما يقدر عليّ في مماتي . الجميع
لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
. [ 163 ]
لا شَرِيكَ لَهُ
في العبادة ، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير . ليس هذا الإخلاص للّه ، ابتداعا مني ، وبدعا أتيته من تلقاء نفسي . بل
وَبِذلِكَ أُمِرْتُ
أمرا حتما ، لا أخرج من التبعة ، إلا بامتثاله
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
من هذه الأمة . [ 164 ]
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ
من المخلوقين
أَبْغِي رَبًّا
أي : يحسن ذلك ويليق بي ، أن أتخذ غيره ، مربيا ومدبرا واللّه رب كل شيء ، فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته ، منقادون لأمره ؟ فتعين عليّ وعلى غيري ، أن يتخذ اللّه ربا ، ويرضى به ، ولا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين . ثمّ رغب ورهب بذلك الجزاء فقال :
وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
من خير وشر
إِلَّا عَلَيْها
كما قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها *
.
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
بل كلّ عليه وزر نفسه . وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره ، فإنه عليه وزر التسبب من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء .
ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ
يوم القيامة
فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من خير وشر ، ويجازيكم على ذلك ، أوفى الجزاء . [ 165 ]
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ
أي : يخلف بعضكم بعضا ، واستخلفكم اللّه في الأرض ، وسخّر