تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
[ 74 ] يقول تعالى : واذكر قصة إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، مثنيا عليه ومعظما في حال دعوته إلى التوحيد ، ونهيه عن الشرك .
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَ تَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً
أي : لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء .
إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
حيث عبدتم من لا يستحق من العبادة شيئا ، وتركتم عبادة خالقكم ، ورازقكم ، ومدبركم . [ 75 ]
وَكَذلِكَ
حين وفقناه للتوحيد والدعوة إليه
نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : ليرى ببصيرته ، ما اشتملت عليه ، من الأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
. فإنه بحسب قيام الأدلة ، يحصل له الإيقان ، والعلم التام ، بجميع المطالب . [ 76 ]
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
أي : أظلم
رَأى كَوْكَباً
لعله من الكواكب المضيئة ، لأن تخصيصه بالذكر ، يدل على زيادته عن غيره . ولهذا - واللّه أعلم - قال من قال : إنه الزهرة .
قالَ هذا رَبِّي
أي : على وجه التنزل مع الخصم أي : هذا ربي ، فهلم ننظر ، هل يستحق الربوبية ؟ وهل يقوم لنا دليل على ذلك ؟ فإنه لا ينبغي لعاقل أن يتخذ إلهه هواه بغير حجة ولا برهان .
فَلَمَّا أَفَلَ
أي : غاب ذلك الكوكب
قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ
أي : الذي يغيب ويختفي عمّن عبده . فإن المعبود ، لا بد أن يكون قائما بمصالح من عبده ، ومدبرا له في جميع شؤونه . فأما الذي يمضي وقت كثير وهو غائب ، فمن أين يستحق العبادة ؟ وهل اتخاذه إلها إلا من أسفه السفه ، وأبطل الباطل ؟ [ 77 ]
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً
أي : طالعا ، رأى زيادته على نور الكواكب ومخالفته لها
قالَ هذا رَبِّي
تنزلا .
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
فافتقر غاية الافتقار إلى هداية ربه ، وعلم أنه إن لم يهده اللّه ، فلا هادي له ، وإن لم يعنه على طاعته ، فلا معين له . [ 78 ]
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ
من الكوكب ومن القمر .
فَلَمَّا أَفَلَتْ
تقرر حينئذ الهدى ، واضمحل الردى
قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
حيث قام البرهان الصادق الواضح ، على بطلانه . [ 79 ]
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً
أي : للّه وحده ، مقبلا عليه ، معرضا عن من سواه .
وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فتبرأ من الشرك ، وأذعن بالتوحيد ، وأقام على ذلك البرهان . وهذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآيات هو الصواب . وهو أن المقام مقام مناظرة ، من إبراهيم لقومه ، وبيان بطلان إلهية هذه الأجرام العلوية وغيرها . وأما من قال : إنه مقام نظر في حال طفوليته ، فليس عليه دليل . [ 80 ]
وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَ تُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ
أي : أي فائدة لمحاجة من لم يتبين له الهدى ؟ فأما من هداه اللّه ، ووصل إلى أعلى درجات اليقين ، فإنه - هو بنفسه - يدعو الناس إلى ما هو عليه .
وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ
فإنها لن تضرني ، ولن تمنع عني من النفع شيئا .
إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
فتعلمون أنه - وحده - المعبود المستحق للعبودية . [ 81 ]
وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ
وحالها حال العجز ، وعدم النفع ،
وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 288 | عبد الرحمن بن ناصر السعدي