تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١

مقدمة المؤلف

الحمد للّه الذي أنزل على عبده الفرقان الفارق بين الحلال والحرام ، والسعداء والأشقياء ، والحق والباطل . وجعله - برحمته - هدى للناس عموما ، وللمتقين خصوصا - من ضلال الكفر ، والمعاصي والجهل ، إلى نور الإيمان والتقوى والعلم . وأنزله شفاء للصدور ، من أمراض الشبهات والشهوات ، ويحصل به اليقين والعلم ، في المطالب العاليات ، وشفاء للأبدان من أمراضها ، وعللها ، وآلامها ، وأسقامها . وأخبر أنه لا ريب فيه ، ولا شك ، بوجه من الوجوه ، وذلك لاشتماله على الحق العظيم ، في أخباره ، وأوامره ، ونواهيه . وأنزله مباركا ، فيه الخير الكثير ، والعلم الغزير ، والأسرار البديعة ، والمطالب الرفيعة . فكل بركة وسعادة تنال في الدنيا والآخرة ، فسببها الاهتداء به واتباعه . وأخبر أنه مصدق ومهيمن ، على الكتب السابقة . فما شهد له ، فهو الحق ، وما رده فهو المردود لأنه تضمنها وزاد عليها . وقال تعالى فيه :
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ
. فهو هاد لدار السلام ، مبين لطريق الوصول إليها ، وحاث عليها ، كاشف عن الطريق الموصلة إلى دار الآلام ومحذر عنها . وقال تعالى مخبرا عنه :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
. فبين آياته أكمل تبيين ، وأتقنها أي إتقان ، وفصلها بتمييز الحق من الباطل ، والرشد من الضلال ، تفصيلا كاشفا للبس ، لكونه صادرا من حكيم خبير . فلا يخبر إلا بالصدق والحق واليقين ، ولا يأمر إلا بالعدل والإحسان والبر . ولا ينهى إلا عن المضار الدينية والدنيوية . وأقسم تعالى بالقرآن ، ووصفه بأنه « مجيد » والمجيد : سعة الأوصاف وعظمتها ، وذلك لسعة معاني القرآن وعظمتها . ووصفه بأنه « ذو الذكر » أي : يتذكر به العلوم الإلهية والأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة ، ويتعظ به من يخشى . وقال تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
( 2 ) ، وأنزله بهذا اللسان لنعقله ونفهمه ، وأمرنا بتدبره ، والتفكر فيه ، والاستنباط لعلومه . وما ذاك إلا لأن تدبره مفتاح كل خير ، محصل للعلوم والأسرار . فللّه الحمد والشكر والثناء ، على أن جعل كتابه هدى وشفاء ورحمة ونورا ، وتبصرة وتذكرة ، وعبرة وبركة ، وهدى وبشرى للمسلمين . فإذا علم هذا ، علم افتقار كل مكلف لمعرفة معانيه والاهتداء بها . وكان حقيقا بالعبد أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه في تعلمه وتفهمه بأقرب الطرق الموصلة إلى ذلك . وقد كثرت تفاسير الأئمة ، رحمهم اللّه ، لكتاب اللّه . فمن مطول خارج في أكثر بحوثه عن المقصود ،