تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
هي به ، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه ، وحده أيضا حد القذف ، ولأنه قاذف بلا شك كما ترى . ومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، ثنا موسى بن هارون البردي ، ثنا هشام بن يوسف عن القاسم بن فياض الأبناوي ، عن خلاد بن عبد الرحمن ، عن ابن المسيب ، عن ابن عباس : أن رجلا من بني بكر بن ليث أتى النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات ، فجلده مائة وكان بكرا ، ثم سأله على المرأة ، فقالت : كذب واللّه يا رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلّم ) فجلده حد الفرية ثمانين « 1 » ا ه منه . فإن قيل : هذا الحديث ضعيف ، لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي الصنعاني ، قال فيه ابن حجر في التقريب ، مجهول ، وقال فيه الذهبي في الميزان : ضعفه غير واحد منهم عباس عن ابن معين ، فالجواب من وجهين : الأول : أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود ثقة ، كما نقله عنه الذهبي في الميزان ، والتعديل يقبل مجملا ، والتجريح لا يقبل مجملا كما تقدم . الثاني : أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف ، وحد الزنا إن قال : إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت ، معتضد اعتضادا قويا بظواهر النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره ، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة بالزنى ، فأنكرت ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف . فالحاصل : أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف وحد الزنا ، وهو مذهب مالك ، وقد نص عليه في المدونة خلافا لمن قال يحد حد الزنا فقط ، كأحمد والشافعي ، ولمن قال : يحد حد القذف فقط ، ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه : من أن الرجل لو قال لامرأة : زنيت فقالت له : زنيت بك أنها تحد للقذف ، وللزنا معا ولا يحد الرجل لهما لأنها صدقته . والعلم عند اللّه تعالى .

الفرع الخامس : اعلم أنه لا يصح إقرار المكره ،

فلو أكره الرجل بالضرب أو غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرها لم يلزمه إقراره به فلا يحد ، ولا يثبت عليه الزنا ، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا ، والعلم عند اللّه تعالى .

المسألة الثالثة : [ في ظهور الحمل بامرأة ولا يعرف لها زوج ولا سيد ]

اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبينة والإقرار ، ولا خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب أما ظهور الحمل بامرأة ، لا يعرف لها زوج ولا سيد ، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به . فقال بعض أهل العلم : الحبل في التي يعرف لها زوج ولا سيد يثبت عليها به الزنا ، ويجب عليها الحد به ، وقد ثبت هذا في حديث
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الحدود حديث 4467 .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 24 | الشنقيطي