فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة - كل ذلك معروف ثابت في الصحيح . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 )
[ 51 ] آية .
التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة - أن اللّه يقول : ما أشهدت إبليس وجنوده ؛ أي ما أحضرتهم خلق السماوات والأرض ، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق أنفسهم ، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم ، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين به على خلقه ، بل تفردت بخلق جميع ذلك يغير معين ولا ظهير ! فكيف تصرفون لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء ! ؟
وهذا المعنى الذي أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده - جاء مبينا في آيات كثيرة ، وقد قدمنا كثيرا منها في مواضع متعددة ، كقوله :
أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( 17 ) [ النحل : 17 ] ، وقوله :
أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
( 16 ) [ الرعد : 16 ] ، وقوله :
هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 11 ) [ لقمان : 11 ] ، وقوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
[ فاطر : 40 ] الآية ، وقوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
[ الأحقاف :
4 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مرارا . وقال بعض العلماء
وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
أي : ما أشهدتهم خلق أنفسهم ؛ بل خلقتهم على ما أردت وكيف شئت .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
( 51 ) [ 51 ] فيه الإظهار في محل الإضمار ، لأن الأصل الظاهر . وما كنت متخذهم عضدا ، كقوله :
ما أَشْهَدْتُهُمْ
والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار هي ذمه تعالى لهم بلفظ الإضلال . وقوله « عضدا » أي أعوانا .
وفي هذه الآية الكريمة - التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم ، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب . والمعنى المذكور أشير له في مواضع أخر ؛ كقوله تعالى :
قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
( 17 ) [ القصص : 17 ] والظهير : المعين . والمضلون : الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق . وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية .
قوله تعالى :
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ( 52 )
[ 52 ] آية .