تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
قوله تعالى :
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ( 41 )
[ 41 ] . معنى قوله : « غورا » أي غائرا ؛ فهو من الوصف بالمصدر ؛ كما قال في الخلاصة :
ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا
والغائر : ضد النابع . وقوله :
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
( 41 ) لأن اللّه إذا أعدم ماءها بعد وجوده ، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا . وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى :
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ
( 30 ) [ الملك : 30 ] ولا شك أن الجواب الصحيح : لا يقدر على أن يأتينا به إلا اللّه وحده ؛ كما قال هنا :
فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً
( 41 ) . قوله تعالى :
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً ( 43 ) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً ( 44 )
[ 43 - 44 ] . اعلم أن في هذه الآية الكريمة : قراءات سبعية ، وأقوالا لعلماء التفسير ، بعضها يشهد له قرآن ، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية قد تكون فيها مذاهب العلماء ، يشهد لكل واحد منها قرآن ؛ فنذكر الجميع وأدلته في القرآن . فإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية :
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ
قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة الفوقية . وقرأه حمزة والكسائي « ولم يكن له فئة » بالياء المثناة التحتية . وقوله
الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي أيضا « الولاية » بفتح الواو . وقرأه حمزة والكسائي بكسر الواو . وقوله « الحقّ » قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتا « للّه » وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتا للولاية . فعلى قراءة من قرأ « الولاية للّه » بفتح الواو - فإن معناها : الموالاة والصلة ، وعلى هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان : الأول - أن معنى
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ
أي في ذلك المقام ، وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد للّه ، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى اللّه . وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
( 84 ) [ غافر : 84 ] ، وقوله في فرعون :
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 90 ) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
( 91 ) [ يونس : 90 - 91 ] ونحو ذلك من الآيات . الوجه الثاني - أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال للّه وحده ، فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة ، كما في قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البقرة : 257 ] الآية ، وقوله :
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ
( 11 ) [ محمد : 11 ] . وله على الكافرين ولاية الملك والقهر ، كما في قوله :
وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا