تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
أهلكناهم بمعصية رسولنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش . فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين . وأن هذا محض عدل اللّه بين عباده . ومن ذلك قوله تعالى :
* أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها
( 10 ) [ محمد : 10 ] فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله . وكذلك كل موضع أمر اللّه سبحانه فيه بالمسير في الأرض سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب ، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار ، أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب ، فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار باعتبار بما حل بالمكذبين ، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار ، وقد نفى اللّه سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم ، فقال تعالى :
أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ( 35 ) ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
( 36 ) [ القلم : 35 - 36 ] وأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول ، لا تليق نسبته إلى سبحانه . وقال تعالى :
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 21 ) [ الجاثية : 12 ] ، وقال تعالى :
أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
( 28 ) [ ص : 28 ] أفلا تراه كيف ذكر العقول ، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره ، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم . وكل هذا من الميزان الذي أنزله اللّه مع كتابه ، وجعله قرينه ووزيره ؛ فقال تعالى :
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
[ الشورى : 17 ] ، وقال :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] ، وقال تعالى :
الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ
( 2 ) [ الرحمن : 1 - 2 ] فهذا الكتاب ثم قال :
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ
( 7 ) [ الرحمن : 7 ] والميزان يراد به العدل ، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده . والقياس الصحيح هو الميزان ، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه اللّه به ؛ فإنه يدل على العدل ، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان ؛ بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل ، وممدوح ومذموم ، ولهذا لم يجئ في القرآن مدحه ولا ذمه ، ولا الأمر به ولا النهي عنه ، فإنه مورد تقسيم إلى صحيح وفاسد . فالصحيح هو الميزان الذي أنزله اللّه مع كتابه ، والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا البيع على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية ، وقاس الذين قاسوا الميتة على المذكي في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح ، هذا بسبب من الآدميين ، وهذا بفعل اللّه ؛ ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس ، وأنه ليس من الدين ، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به ، وهذا حق وهذا حق ؛ كما سنبينه إن شاء اللّه تعالى . والأقيسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة : قياس علة ، وقياس دلالة ، وقياس شبه ، وقد وردت كلها في القرآن .