واجتبائه أي اصطفائه إيّاه ، وهدايته له ، ولا شكّ أنّ بعض الزلّات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب ذلك الزلّة . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى ( 122 )
[ 122 ] .
الاجتباء : الاصطفاء والاختيار ؛ أي ثمّ بعد ما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربّه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه . ولم يبيّن هنا السبب لذلك ، ولكنّه بيّن في غير هذا الموضع أنّه تلقّى من ربّه كلمات فكانت سبب توبة ربّه عليه ، وذلك في قوله :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ
[ البقرة : 37 ] أي بسبب تلك الكلمات كما تدّل عليه الفاء . وقد قدّمنا في سورة « البقرة » : أنّ الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة « الأعراف » في قوله تعالى :
قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ
( 23 ) [ الأعراف : 23 ] وخير ما يفسّر به القرآن القرآن .
قوله تعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
[ 123 ] .
الظاهر أنّ ألف الاثنين في قوله
اهْبِطا
راجعة إلى آدم وحوّاء المذكورين في قوله
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما
[ طه : 121 ] الآية ، خلافا لمن زعم أنّها راجعة إلى إبليس وآدم ، وأمره إيّاهما بالهبوط من الجنّة المذكور في آية « طه » هذه جاء مبيّنا في غير هذا الموضع ؛ كقوله في سورة « البقرة » :
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
( 36 ) [ البقرة : 36 ] ، وقوله فيها أيضا :
قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 38 ) [ البقرة : 38 ] ، وقوله في « الأعراف » :
قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ
( 24 ) [ الأعراف : 24 ] . وفي هذه الآيات سؤال معروف ، وهو أن يقال : كيف جيء بصيغة الجمع في قوله
اهْبِطُوا
في « البقرة » و « الأعراف » وبصيغة التثنية في « طه » في قوله :
اهْبِطا
مع أنّه أتبع صيغة التثنية في « طه » بصيغة الجمع في قوله
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
[ طه : 123 ] وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك : أن التثنية باعتبار آدم وحوّاء فقط ، والجمع باعتبارهما مع ذريّتهما . خلافا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس ، والجمع باعتبار ذريتهما معهم ، وخلافا لمن زعم أنّ الجمع في قوله :
اهْبِطُوا
مراد به آدم وحواء وإبليس والحيّة . والدليل على أنّ الحيّة ليست مرادة في ذلك هو أنّها لا تدخل في قوله
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً
لأنّها غير مكلفة .
واعلم أنّ المفسّرين يذكرون قصّة الحيّة ، وأنّها كانت ذات قوائم أربع كالبختيّة من أحسن خلقها اللّه ، وأنّ إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنّة ، فوسوس لآدم وحوّاء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلّا الحيّة ؛ فأهبط هو إلى الأرض ولعنت هي وردّت قوائمها في جوفها ، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم ، ولذلك أمروا بقتلها . وبهذه