أطيبهما وأكثرهما ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قال فعل . فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل ، وأن يفعلوا إذا قالوا . وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين . ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) [ الصف : 3 ] لأن المقت الكبير من اللّه على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به . وقال ابن حجر في « الفتح » في الكلام على ترجمة الباب المذكورة قال المهلب : إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض : لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء ا ه . ونقل الإجماع في ذلك مردود ، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل : وقال ابن عبد البر وابن العربي أجل من قال به عمر بن العزيز - انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح ، وقال أيضا : وخرج بعضهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة ، هل تملك بالقبض أو قبله .
فإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة . وما استدل به كل فريق منهم - فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة واللّه تعالى أعلم : أن إخلاف الوعد لا يجوز ، لكونه من علامات المنافقين ، ولأن اللّه يقول :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) وظاهر عمومه يشمل إخلاف الواعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرا ؛ بل يؤمر به ولا يجبر عليه ؛ لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يجبر على الوفاء به لأنه وعد بمعروف محض . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا ( 58 )
[ 58 ] .
الإشارة في قوله
أُولئِكَ
راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة .
وقد بين اللّه هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم . وزاد على هذا في سورة « النساء » بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ
وبين في سورة الفاتحة : أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين في قوله :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( 7 ) [ الفاتحة : 1 - 2 ] . وقال ابن كثير رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة : قال السدي وابن جرير رحمهما اللّه : فالذي عنى به من ذرية آدم : « إدريس » .
والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح : « إبراهيم » . والذي عنى به من ذرية إبراهيم :
« إسحاق ويعقوب وإسماعيل » . والذي عنى به من ذرية إسرائيل : « موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم » . قال ابن جرير : ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم