أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع . وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون بالواقع ؛ كقوله عنهم :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ
( 12 ) [ السجدة : 12 ] ، وكقوله :
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ
( 22 ) [ ق : 22 ] ، وقوله تعالى :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا
[ مريم : 38 ] الآية . ومن إطلاق الظن على اليقين تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( 46 ) [ البقرة : 45 - 46 ] أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم .
وقوله تعالى :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 249 ) [ البقرة : 249 ] . وقوله تعالى :
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ
( 20 ) [ الحاقة : 19 - 20 ] فالظن في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين . والعرب تطلق الظن على اليقين وعلى الشك . ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد
وقول عميرة بن طارق :
بأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم * وأجعل مني الظن غيبا مرجما
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المجرمين يرون النار ، وبين في موضع آخر أنها هي تراهم أيضا ، وهو قوله تعالى :
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً ( 11 )
الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
( 12 ) [ الطور : 11 - 12 ] . وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد اصطلاح للأصوليين والفقهاء . ولا مشاحة في الاصطلاح . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :
وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً
( 53 ) المصرف : المعدل ، أي ولم يجدوا عن النار مكانا ينصرفون إليه ويعدلون إليه ، ليتخذوه ملجأ ومعتصما ينجون فيه من عذاب اللّه . ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان - قول أبي كبير الهذلي :
أزهير هل عن شيبة من مصرف * أم لا خلود لباذل متكلف
وقوله في هذه الآية الكريمة :
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ
من رأى البصرية ، فهي تتعدى لمفعول واحد ، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظرا لتحقق الوقوع ، فكان ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل ، كما تقدم مرارا . والعلم عند اللّه تعالى .
قوله تعالى :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ( 54 )
[ 54 ] .
قوله :
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
أي رددنا وكثرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة ، وأساليب