تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
واعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق ؛ لأن لفظة
جَعَلَ
في الآية هي التي بمعنى صير ، وهي تنصب المبتدأ والخبر ، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر ، فقولك : جعلت الطين خزفا ، والحديد خاتما ، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه ، والحديد هو الخاتم ، وكذلك قوله :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه ، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق ، وكون المجعول فيها مطلق نوره ؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل : وجعل نور القمر فيهن أما قوله :
وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً
فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر ، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه ، وبوضح ذلك أنه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
[ الفرقان : 61 ] وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله :
وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ ( 16 ) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 17 ) [ الحجر : 17 ] وما يزعمه بعض الناس من أنه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله :
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ
( 29 ) [ الشور : 29 ] يقال فيه : إن المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر ، كما أطبق عليه المفسرون . ويدل له قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
( 38 ) [ الأنعام : 38 ] . ويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى :
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ
[ التغابن : 9 ] الآية . وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة ، كقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
( 103 ) [ هود : 103 ] وقوله :
قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ( 49 ) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
( 50 ) [ الواقعة : 49 - 50 ] وقوله :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ
[ النساء : 87 ] وقوله :
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا
( 25 ) [ الفرقان : 25 ] وقوله
وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا
( 22 ) [ الفجر : 22 ] وقوله
وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً
( 47 ) [ الكهف : 47 ] . مع أن بعض العلماء قال : المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط ، فيكون من إطلاق المجموع مرادا بعضه ، وهو كثير من القرآن وفي لسان العرب ، وبعضهم قال : المراد بدواب السماء الملائكة زاعما أن الدبيب يطلق على كل حركة . قال مقيده - عفا اللّه عنه : ظاهر الآية الكريمة أن اللّه بث في السماء دواب كما بث في