تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
مسلمين فتوكلوا عليه ، فالأول : دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب ، لأن جواب الشروط وجواب
لَوْ لا
لا يتقدم ، ولكن يكون المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة . وكقوله :
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 111 ) [ البقرة : 111 ] أي إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم . وعلى هذا القول : فمعنى الآية ، وهم بها لولا أن رأ برهان ربه ، أي لولا أن رآه هم بها . فما قبل
لَوْ لا
هو دليل الجواب المحذوف ، كما هو الغالب في القرآن واللغة . ونظير ذلك قوله تعالى :
إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها
[ القصص : 10 ] فما قبل
لَوْ لا
دليل الجواب . أي لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به . واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب
لَوْ لا
وتقديم الجواب في سائر الشروط : وعلى هذا القول يكون جواب
لَوْ لا
في قوله :
لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
هو ما قبله من قوله :
وَهَمَّ بِها
. وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون ، ومن أعلام البصريين : أبو العباس المبرد ، وأبو زيد الأنصاري . وقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه : والذي اختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة ، بل هو منفى لوجود رؤية البرهان ؛ كما تقول : لقد فارقت لولا أن عصمك اللّه . ولا نقول : إن جواب
لَوْ لا
متقدم عليها ، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك ، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها . وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون ، ومن أعلام البصريين : أبو زيد الأنصاري ، وأبو العباس المبرد . بل نقول : إن جواب
لَوْ لا
محذوف لدلالة ما قبله عليه ، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب : أنت ظالم إن فعلت ؛ فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم . ولا يدل قوله أنت ظالم على ثبوت الظلم ؛ بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل ، وكذلك هنا التقدير : لولا أن رأ برهان ربه لهم بها ، فكان وجود الهم على تقدير انتفاء رؤية البرهان ، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهم ، ولا التفات إلى قول الزجاج . ولو كان الكلام : ولهم بها كان بعيدا ، فكيف مع سقوط اللام ؟ لأنه يوهم أن قوله :
هَمَّ بِها
هو جواب
لَوْ لا
ونحن لم نقل بذلك ، وإنما هو دليل الجواب . وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة ، لجواز أن يأتي جواب
لَوْ لا
إذا كان بصيغة الماضي باللام . وبغير لام تقول : لولا زيد لأكرمتك . ولولا زيد أكرمتك . فمن ذهب إلى أن قوله :
هَمَّ بِها
نفس الجواب لم يبعد . ولا التفات لقول ابن عطية : إن قول من قال : إن الكلام قد تم في قوله :
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
وإن جواب
لَوْ لا
في قوله :
وَهَمَّ بِها
وإن المعنى : لولا أن رأ برهان ربه لهم بها ، فلم يهم يوسف عليه السلام .
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 46 | الشنقيطي