تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
عام وخاص ؛ لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور ، خلافا لأبي حنيفة رحمه اللّه ، كما بيناه في غير هذا الموضع . فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم ، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلا في العموم ؛ كما تقرر في الأصول . وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام ؛ لأن اللّه جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف ؛ وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل ، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب . فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح اللّه بها ، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل اللّه الرسل لقطعها ؛ كما بينه بقوله :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 16 ] الآية ، وقوله :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى
( 134 ) [ طه : 134 ] كما تقدم إيضاحه . وأجاب المخالفون عن هذا - بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة ، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا ، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها ؛ فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول ؛ ب « النقض » تخصيص للعلة ، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام ؛ أي قصره على بعض أفراده بدليل . والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة ، أو تخصيص لها معروف في الأصول ، وعقد الأقوال في ذلك صاحب « مراقي السعود » بقوله في مبحث القوادح :
منها وجود الوصف دون الحكم * سماه بالنقض وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح * بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص * إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض * ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر * وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع * والوفق في مثل العرايا قد وقع
فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض : هل هو تخصيص ، أو إبطال للعلة ، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة . واختار بعض المحققين من أهل الأصول : أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة ، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة ، وإلا فهو نقض وإبطال لها . فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعا .