لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) [ الأنعام : 121 ] وحذف الفاء من قوله
إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
( 121 ) يدلّ على قسم محذوف على حدّ قوله في الخلاصة :
واحذف لد اجتماع شرط وقسم * جواب ما أخرت فهو ملتزم
إذ لو كانت الجملة جوابا للشرط لاقترنت بالفاء على حدّ قوله في الخلاصة أيضا :
واقرن بفا حتما جوابا لو جعل * شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل
فهو قسم من اللّه جلّ وعلا أقسم به على أنّ من اتّبع الشيطان في تحليل الميتة أنّه مشرك ، وهذا الشّرك مخرج عن الملّة بإجماع المسلمين ، وسيوبّخ اللّه مرتكبه يوم القيامة بقوله :
* أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
( 60 ) [ يس : 60 ] لأنّ طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته ، وقال تعالى :
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً
( 117 ) [ النساء : 117 ] أي ما يعبدون إلّا شيطانا ، وذلك باتّباعهم تشريعه . وقال :
وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ
[ الأنعام : 137 ] الآية ، فسمّاهم شركاء لأنّهم أطاعوهم في معصية اللّه تعالى . وقال عن خليله
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ
[ مريم : 44 ] الآية ، أي بطاعته في الكفر والمعاصي . ولما سأل عدي بن حاتم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن قوله تعالى
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً
[ التوبة : 31 ] الآية ، بيّن له أنّ معنى ذلك أنّهم أطاعوهم في تحريم ما أحلّ اللّه وتحليل ما حرّم . والآيات بمثل هذا كثيرة .
والعجب ممّن يحكم غير تشريع اللّه ثمّ يدّعي الإسلام ؛ كما قال تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً
( 60 ) [ النساء : 60 ] ، وقال :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
( 44 ) [ المائدة : 44 ] . وقال :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
( 114 ) [ الأنعام : 114 ] .
ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم - هديه إلى أنّ الرابطة الّتي يجب أن يعتقد أنّها هي الّتي تربط بين أفراد المجتمع ، وأن يناد بالارتباط بها دون غيرها إنّما هي دين الإسلام ؛ لأنّه هو الّذي يربط بين أفراد المجتمع حتّى يصير بقوّة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنّه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى . فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك ، ورجلك ، بساقك ؛ كما جاء في الحديث عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم :
« إنّ مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادّهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى » « 1 » . ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس
هامش
( 1 ) أخرجه عن النعمان بن بشير : البخاري في الأدب حديث 6011 ، ومسلم في البر والصلة والآداب -