ابن عمر « 1 » ؛ رواه البيهقي وغيره . وممن كره الصلاة في المقبرة أبو حنيفة والثوري والأوزاعي . واحتج من قال بجواز الصلاة في المقبرة بأن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم صلى على المسكينة السوداء بالمقبرة . وسيأتي قريبا إن شاء اللّه حكم الصلاة إلى جهة القبر .
قال مقيده عفا اللّه عنه : أظهر الأقوال دليلا في هذه المسألة عندي قول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه اللّه تعالى لأن النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر ولعن من اتخذ المساجد عليها ، وهي ظاهرة جدا في التحريم . أما البطلان فمحتمل ، لأن النهي يقتضي الفساد لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « من أحدث من أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد » « 2 » والصلاة في المقابر منهي عنها ، فليست من أمرنا فهي رد . ويحتمل أن يقال : الصلاة من أمرنا فليست ردا ، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا . كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان : إحداهما مأمور به منها ككونه صلاة ، والأخر منهي عنه منها ككونه في موضع نهي أو وقت نهي أو أرض مغصوبة أو بحرير أو ذهب ونحو ذلك فإنهم يقولون : إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد ، وإن لم تنفك عنها اقتضاه . ولكنهم عند التطبيق يختلفون ، فيقول أحدهم : الجهة هنا منفكة . ويقول الآخر :
ليست منفكة كالعكس ، فيقول الحنبلي مثلا الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي ؛ لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزا من الفراغ ليس مملوكا له ، فنفس شغله له ببدنه أثناء الصلاة حرام ، فلا يمكن أن يكون قربة بحال . فيقول المعترض كالمالكي والشافعي : الجهة منفكة هنا لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة ، ومن حيث كونه غصبا حرام ، فله صلاته وعليه غصبه كالصلاة بالحرير . وإلى هذا المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله :
دخول ذي كراهة فيما أمر * به بلا قيد وفصل قد حظر
فنفى صحة ونفى الأجر * في وقت كره للصلاة يجري
وإن يك النهي عن الأمر انفصل * فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل
وذا إلى الجمهور ذو انتساب * وقيل بالأجر مع العقاب
وقد رو البطلان والقضاء * وقيل ذا فقط له انتفاء
مثل الصلاة بالحرير والذهب * أو في مكان الغصب والوضو انقلب
ومعطن ومنهج ومقبره * كنيسة وذي حميم مجزره
وأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضا ، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه « 3 »
هامش
( 1 ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ، كتاب الجنائز حديث 6570 .
( 2 ) سبق تخريجه .
( 3 ) كتاب الجنائز حديث 97 و 98 .