قوله تعالى :
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ( 80 )
[ 80 ] .
الحجر : منازل ثمود بين الحجاز والشام عند وادي القر . فمعنى الآية الكريمة :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ
، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في مواضع أخر ؛ كقوله :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ ( 141 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ
( 142 ) [ الشعراء : 141 - 142 ] الآيات وقوله :
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها
[ الشمس : 14 ] وقوله :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ
( 24 ) [ القمر : 23 - 24 ] وقوله :
فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 77 ) [ الأعراف : 77 ] إلى غير ذلك من الآيات . وإنما قال إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي كذبوه هو صالح وحده لأن دعوة جميع الرسل واحدة ، وهي تحقيق معنى « لا إله إلا اللّه » كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية ؛ قال معمما لجميعهم :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ
( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] الآية .
وقال :
وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
[ النحل : 36 ] وقال :
وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ
( 45 ) [ الزخرف :
45 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي
[ الأعراف : 59 ] وقال :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 59 ] وقال :
لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 59 ]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ
[ الأعراف : 85 ] إلى غير ذلك من الآيات .
فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحدا منهم فقد كذب جميعهم . ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم فهو كافر حقا . قال :
وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا
[ النساء : 150 - 151 ] وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ
[ البقرة : 136 ] وقوله :
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
[ البقرة : 285 ] ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ
[ النساء : 152 ] الآية . وقد بينا هذه المسألة في كتابنا « دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب » .
تنبيه
اعلم أنه صلى اللّه عليه وسلم مر بالحجر المذكور في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك ، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة تبوك عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : لمّا مرّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم