فعصيتني ، فأبعدك اللّه وبطل عرجك » ، ثمّ نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقتصّ من جرح قبل أن يبرأ صاحبه « 1 » ، تفرّد به أحمد ، قاله ابن كثير « 2 » .
وقال بعض العلماء بجواز القصاص قبل البرء ، وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفا ، أنّ سراية الجناية بعد القصاص هدر ، وقال أبو حنيفة ، والشافعي :
ليست هدرا ، بل هي مضمونة ، والحديث حجة عليهما ، رحمهما اللّه تعالى ، ووجهه ظاهر ، لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله ، فأبطل الشارع حقه .
وإذا عرفت ممّا ذكرنا تفصيل مفهوم .
قوله تعالى :
أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ
[ 32 ] ، الآية .
فاعلم أنّ مفهوم قوله :
أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ
، هو المذكور في قوله تعالى :
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ
[ 33 ] .
قال ابن كثير في تفسير : المحاربة هي المخالفة والمضادّة ، وهي صادقة على الكفر ، وعلى قطع الطريق ، وإخافة السبيل ، وكذا الإفساد في الأرض ، يطلق على أنواع من الشرّ ، وقد قال اللّه تعالى :
وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
( 205 ) [ البقرة : 205 ] .
فإذا علمت ذلك ، فاعلم أنّ المحارب الّذي يقطع الطريق ، ويخيف السبيل ، ذكر اللّه أنّ جزاءه واحدة من أربع خلال هي : أن يقتّلوا ، أو يصلّبوا ، أو تقطّع أيديهم ، وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الأرض ، وظاهر هذه الآية الكريمة : أنّ الإمام مخير فيها ، يفعل ما شاء منها بالمحارب ، كما هو مدلول ، أو لأنّها تدلّ على التخيير .
ونظيره في القرآن قوله تعالى :
فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ
[ البقرة : 196 ] ، وقوله تعالى :
فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
[ المائدة : 89 ] ، وقوله تعالى :
فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
[ المائدة : 95 ] .
وكون الإمام مخيّرا بينهما مطلقا من غير تفصيل ، هو مذهب مالك ، وبه قال سعيد بن المسيّب ، ومجاهد ، وعطاء ، والحسن البصري ، وإبراهيم النخعي ، والضحّاك ، كما نقله عنهم ابن جرير ، وغيره ، وهو رواية ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، ونقله القرطبيّ ، عن أبي ثور ، وسعيد بن المسيّب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، والضّحّاك ، والنخعي ،
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 217 .
( 2 ) التفسير 2 / 64 .