تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 50 إلى 51 ] أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ( 50 ) وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 51 )
شرح
منهم من غير أن يكون في ذلك مدخل لأحد( أَوْ يُزَوِّجُهُمْ )أي يقرن بين الصنفين فيهبهما جميعا( ذُكْراناً وَإِناثاً )قالوا معنى يزوجهم أن تلد غلاما ثم جارية أو جارية ثم غلاما أو تلد ذكرا وأنثى توأمين( وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً )والمعنى يجعل أحوال العباد في حق الأولاد مختلفة على ما تقتضيه المشيئة فيهن فيهب لبعض إما صنفا واحدا من ذكر أو أنثى وإما صنفين ويعقم آخرين ولعل تقديم الإناث لأنها أكثر لتكثير النسل أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما تتعلق به مشيئته تعالى لا ما تتعلق به مشيئة الإنسان والإناث كذلك أو لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن أعظم البلايا أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور أو لجبر التأخير وتغيير العاطف في الثالث لأنه قسيم المشترك بين القسمين ولا حاجة إليه في الرابع لإفصاحه بأنه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة وقيل المراد بيان أحوال الأنبياء عليهم السلام حيث وهب لشعيب ولوط إناثا ولإبراهيم ذكورا وللنبي صلى اللّه عليه وسلم ذكورا وإناثا وجعل يحيى وعيسى عقيمين( إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ )مبالغ في العلم والقدرة فيفعل ما فيه حكمة ومصلحة( وَما كانَ لِبَشَرٍ )أي وما صح لفرد من 51 أفراد البشر( أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ )بوجه من الوجوه( إِلَّا وَحْياً )أي إلا بأن يوحى إليه ويلهمه ويقذف في قلبه كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم عليهما السلام في ذبح ولده وقد روى عن مجاهد أوحى اللّه الزبور إلى داود عليه السلام في صدره أو بأن يسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه وهو المراد بقوله تعالى( أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ )فإنه تمثيل له بحال الملك المحتجب الذي يكلم بعض خواصه من وراء الحجاب يسمع صوته ولا يرى شخصه وذلك كما كلم موسى وكما يكلم الملائكة عليهم السلام أو بأن يكلمه بواسطة الملك وذلك قوله تعالى( أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا )أي ملكا( فَيُوحِيَ )ذلك الرسول إلى المرسل إليه الذي هو الرسول البشرى( بِإِذْنِهِ )أي بأمره تعالى وتيسيره( ما يَشاءُ )أن يوحيه إليه وهذا هو الذي يجرى بينه تعالى وبين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في عامة الأوقات من الكلام وقيل قوله تعالىوَحْياًوقوله تعالىأَوْ يُرْسِلَمصدران واقعان موقع الحال وقوله تعالىأَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍظرف واقع موقعها والتقدير وما صح أن يكلم الا موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا وقرئ أو يرسل بالرفع على إضمار مبتدأ وروى أن اليهود قالت للنبي صلى اللّه عليه وسلم ألا تكلم اللّه وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه فإنا لن نؤمن حتى تفعل ذلك فقال عليه السلام لم ينظر موسى عليه السلام إلى اللّه تعالى فنزلت وعن عائشة رضى اللّه عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللّه الفرية ثم قالت رضى اللّه عنها
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 37 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي