[ سورة ق ( 50 ) : الآيات 18 إلى 19 ]
ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ( 18 ) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ( 19 )
شرح
بإحاطته تعالى بتفاصيل أحواله خبرا من زيادة لطف له في الكف عن السيئات والرغبة في الحسنات وعنه عليه الصلاة والسلام أن مقعد ملكيك على ثنيتيك ولسانك قلبهما وريقك مدادهما وأنت تجرى فيما لا يعنيك لا تستحيي من اللّه ولا منهما وقد جوز أن يكون تلقى الملكين بيانا للقرب على معنى أنا أقرب إليه مطلعون على أعماله لأن حفظتنا وكتبتنا موكلون به( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ )أي * عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد أي مقاعد كالجليس بمعنى المجالس لفظا ومعنى فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قول من قال[ رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطوى رماني ]وقيل يطلق الفعيل على الواحد والمتعدد كما في قوله تعالىوَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ( ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ )ما يرمى 18 به من فيه من خير أو شر وقرئ ما يلفظ على البناء للمفعول( إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ )ملك يرقب قوله ويكتبه * فإن كان خيرا فهو صاحب اليمين بعينه وإلا فهو صاحب الشمال ووجه تغيير العنوان غنى عن البيان والإفراد مع وقوفهما معا على ما صدر عنه لما أن كلا منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض إلى صاحبه كما ينبئ عنه قوله تعالى( عَتِيدٌ )أي معد مهيأ لكتابة ما أمر به من الخير أو الشر ومن لم يتنبه له توهم * أن معناه رقيبان عتيدان وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص واختلف فيما يكتبانه فقيل يكتبان كل شئ حتى أنينه في مرضه وقيل إنما يكتبان ما فيه من أجر أو وزر وهو الأظهر كما ينبئ عنه قوله صلى اللّه عليه وسلم كاتب الحسنات على يمين الرجل وكاتب السيئات على يساره وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر( وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ )19 بعد ما ذكر استبعادهم للبعث والجزاء وأزيح ذلك بتحقيق قدرته تعالى وعلمه وبين أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم أتبع ذلك ببيان ما يلاقونه لا محالة من الموت والبعث وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذانا بتحقيقها وغاية اقترابها وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء إما للتعدية كما في قولك جاء الرسول بالخبر والمعنى أحضره سكرة الموت حقيقة الأمر الذي نطقت به كتب اللّه ورسله أو حقيقة الأمر وجلية الحال من سعادة الميت وشقاوته وقيل الحق الذي لا بد أن يكون لا محالة من الموت أو الجزاء فإن الإنسان خلق له وإما للملابسة كالتي في قوله تعالىتَنْبُتُ بِالدُّهْنِأي ملتبسة بالحق أي بحقيقة الأمر أو بالحكمة والغاية الجميلة وقرئ سكرة الحق بالموت والمعنى أنها السكرة التي كتبت على الإنسان بموجب الحكمة وأنها لشدتها توجب زهوق الروح أو تستعقبه وقيل الباء بمعنى مع وقيل سكرة الحق سكرة اللّه تعالى على أن الإضافة للتهويل