تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 18 إلى 20 ] بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 )
شرح
لانتفاء التالي لانتفاء المقدم أو لإرادة اتخاذه فيكون بيانا لانتفاء المقدم المستلزم لانتفاء التالي وقيل اللهو 18 الولد بلغة اليمن وقيل الزوجة والمراد الرد على النصارى ولا يخفى بعده( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ )إضراب عن اتخاذ اللهو بل عن إرادته كأنه قيل لكنا لا نريده بل شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من قبيله اللهو وتخصيص شأنه هذا من بين سائر شؤونه تعالى بالذكر للتخلص إلى * ما سيأتي من الوعيد( فَيَدْمَغُهُ )أي يمحقه بالكلية كما فعلنا بأهل القرى المحكية وقد استعير لإيراد الحق على الباطل القذف الذي هو الرمي الشديد بالجرم الصلب كالصخرة ولمحقه للباطل الدمغ الذي هو كسر الشئ الرخو الأجوف وهو الدماغ بحيث يشق غشاءه المؤدى إلى زهوق الروح تصويرا له بذلك وقرئ * فيدمغه بالنصب وهو ضعيف وقرئ فيدمغه بضم الميم( فَإِذا هُوَ زاهِقٌ )أي ذاهب بالكلية وفي إذا الفجائية والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى فكأنه زاهق من * الأصل( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ )وعيد لقريش بأن لهم أيضا مثل ما لأولئك من العذاب والعقاب ومن تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر أو بمحذوف هو حال من الويل أو من ضميره في الخبر وما إما مصدرية أو موصولة أو موصوفة أي واستقر لكم الويل والهلاك من أجل وصفكم له سبحانه بما 19 لا يليق بشأنه الجليل أو بالذي تصفونه به من الولد أو كائنا مما تصفونه تعالى به( وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمة بالغة ونظام كامل وأنه تعالى يحق الحق ويزهق الباطل أي له تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقا وملكا وتدبيرا وتصرفا وإحياء وإماتة وتعذيبا وإثابة من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالا أو استتباعا( وَمَنْ عِنْدَهُ )وهم الملائكة عليهم السلام عبر عنهم بذلك إثر ما عبر عنهم بمن في السماوات تنزيلا لهم لكرامتهم عليه عزّ وعلا وزلفاهم عنده منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل وهو مبتدأ خبره( لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ )أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبيرا( وَلا يَسْتَحْسِرُونَ )ولا يكلون ولا يعيون وصيغة الاستفعال المنبئة عن المبالغة في الحسور للتنبيه على أن عباداتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون لا لإفادة نفى المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة كما أن نفى الظلامية في قوله تعالىوَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِلإفادة كثرة الظلم المفروض تعلقه بالعبيد لا لإفادة نفى المبالغة في الظلم مع ثبوت أصل الظلم في الجملة وقيل من عنده معطوف على من الأولى وإفرادهم بالذكر مع دخولهم في من في السماوات والأرض للتعظيم كما في قوله تعالىوَجِبْرِيلَ وَمِيكالَفقوله تعالىلا يَسْتَكْبِرُونَحينئذ حال من الثانية 20( يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ )أي ينزهونه في جميع الأوقات ويعظمونه ويمجدونه دائما وهو استئناف