تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
[ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 7 ] وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 7 )
شرح
الضمني بالإيمان كما أشير إليه وبيان أنهم في اقتراح تلك الآيات كالباحث عن حتفه بظلفه وأن في ترك الإجابة إليه إبقاء عليهم كيف لا ولو أعطوا ما اقترحوا مع عدم إيمانهم قطعا لوجب استئصالهم لجريان سنة اللّه عزّ وجل في الأمم السالفة على أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة وقد سبقت كلمة الحق منه تعالى أن هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال فقوله * من قرية أي من أهل قرية في محل الرفع على الفاعلية ومن مزيدة لتأكيد العموم وقوله تعالى( أَهْلَكْناها )* أي بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجىء ما اقترحوه من الآيات صفة لقرية والهمزة في قوله تعالى( أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ )لإنكار الوقوع والفاء للعطف إما على مقدر دخلته الهمزة فأفادت إنكار وقوع إيمانهم ونفيه عقيب عدم إيمان الأولين فالمعنى أنه لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات أهم لم يؤمنوا فهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سألوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعتى منهم وأطغى وإما على ما آمنت على أن الفاء متقدمة على الهمزة في الاعتبار مفيدة لترتيب إنكار وقوع إيمانهم على عدم إيمان 7 الأولين وإنما قدمت عليها الهمزة لاقتضائها الصدارة كما هو رأى الجمهور وقوله عزّ وجل( وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا )جواب لقولهم هل هذا إلا بشر الخ متضمن لرد ما دسوا تحت قولهم كما أرسل الأولون من التعرض بعدم كونه عليه السلام مثل أولئك الرسل صلوات اللّه تعالى عليهم أجمعين ولذلك قدم عليه جواب قولهم فليأتنا بآية ولأنهم قالوا ذلك بطريق التعجيز فلا بد من المسارعة إلى رده وإبطاله كما مر في تفسير قوله تعالىقالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَوقوله تعالىما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَولأن في هذا الجواب نوع بسط يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الكريم والحق أن ما اتخذوه سببا للتكذيب موجب للتصديق في الحقيقة لأن مقتضى الحكمة أن يرسل إلى البشر البشر وإلى الملك الملك حسبما ينطق به قوله تعالىقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًافإن عامة البشر بمعزل من استحقاق المفاوضة الملكية لتوقفها على التناسب بين المفيض والمستفيض فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة أن يبعث الملك منهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين * بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتلقوا من جانب ويلقوا إلى جانب آخر وقوله تعالى( نُوحِي إِلَيْهِمْ )استئناف مبين لكيفية الإرسال وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية المستمرة وحذف المفعول لعدم القصد إلى خصوصه والمعنى وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلا رجالا مخصوصين من أفراد الجنس مستأهلين للاصطفاء والإرسال نوحى إليهم بواسطة الملك ما نوحى من الشرائع والأحكام وغيرهما من القصص والأخبار كما نوحى إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي وحقية مدلوله حسبما يحكيه قوله تعالىإِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَإلى قوله تعالىوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماًكما لا فرق بينك وبينهم في البشرية فما لهم لا يفهمون أنك لست بدعا من الرسل وأن ما أوحى إليك ليس مخالفا لما أوحى إليهم
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 56 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي