تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 124 إلى 128 ] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 )
شرح
124( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي )أي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى( فَإِنَّ لَهُ )في الدنيا( مَعِيشَةً ضَنْكاً )ضيقا مصدر وصف به ولذلك يستوى فيه المذكر والمؤنث وقرئ ضنكى كسكرى وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره مقصورة على أعراض الدنيا وهو متهالك على ازديادها وخائف من انتقاصها بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه قد يضيق اللّه بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان كما قال تعالىوَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُوقال تعالىوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِوقوله تعالىوَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُواإلى قوله تعالىلَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْوقيل هو * الضريع والزقوم في النار وقيل عذاب القبر( وَنَحْشُرُهُ )وقرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفا على محل فإن له معيشة ضنكا لأنه جواب الشرط( يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى )فاقد البصر كما في قوله تعالى 125وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّالا أعمى عن الحجة كما قيل( قالَ )استئناف كما مر( رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً )أي في الدنيا وقرئ أعمى بالإمالة في الموضعين وفي الأول فقط 126 لكونه جديرا بالتغيير لكونه رأس الآية ومحل الوقف( قالَ كَذلِكَ )أي مثل ذلك فعلت أنت ثم فسره بقوله تعالى( أَتَتْكَ آياتُنا )واضحة نيرة بحيث لا تخفى على أحد( فَنَسِيتَها )أي عميت عنها وتركتها ترك المنسى الذي لا يذكر أصلا( وَكَذلِكَ )ومثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا( الْيَوْمَ تُنْسى )تترك في العمى والعذاب جزاء وفاقا لكن لا أبدا كما قيل بل إلى ما شاء اللّه ثم يزيله عنه فيرى أهوال القيامة ويشاهد مقعده من النار ويكون ذلك له عذابا فوق العذاب وكذا البكم والصمم يزيلهما اللّه تعالى عنهم 127 أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا( وَكَذلِكَ )أي مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية( نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ )بالانهماك في الشهوات( وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ )بل كذبها وأعرض عنها( وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ )على الإطلاق أو 128 عذاب النار( أَشَدُّ وَأَبْقى )أي من ضنك العيش أو منه ومن الحشر على العمى( أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ )كلام مستأنف مسوق لتقرير ما قبله من قوله تعالىوَكَذلِكَ نَجْزِيالآية والهمزة للإنكار التوبيخى والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام واستعمال الهداية باللام إما لتنزيلها منزلة اللام فلا حاجة
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 48 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي