Skip to main content

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 45

Contributors:

P.45
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 116 إلى 119 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى ( 116 ) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 )
Commentary
تصميم رأى وثبات قدم في الأمور إذ لو كان كذلك لما أزله الشيطان ولما استطاع أن يغره وقد كان ذلك منه عليه السلام في بدء أمره من قبل أن يجرب الأمور ويتولى حارها وقارها ويذوق شريها وأريها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال اللّه تعالى ولم نجد له عزما وقيل عزما على الذنب فإنه أخطأ ولم يتعمد وقوله تعالىوَلَمْ نَجِدْإن كان من الوجود العلمي فله عزما مفعولاه قدم الثاني على الأول لكونه ظرفا وإن كان من الوجود المقابل للعدم وهو الأنسب لأن مصب الفائدة هو المفعول وليس في الإخبار بكون العزم المعدوم له مزيد مزية فله متعلق به قدم على مفعوله لما مر مرارا من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر أو بمحذوف هو حال من مفعوله المنكر كأنه قيل ولم نصادف له عزما وقوله تعالى( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ )شروع في بيان المعهود وكيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه وإذ 116 منصوب على المفعولية بمضمر خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم أي واذكر وقت قولنا لهم وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر مرارا من المبالغة في إيجاب ذكرها فإن الوقت مشتمل على تفاصيل الأمور الواقعة فيه فالأمر بذكره أمر بذكر تفاصيل ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقت مشتمل على أعيان الحوادث فإذا ذكر صارت الحوادث كأنها موجودة في ذهن المخاطب بوجوداتها العينية أي اذكر ما وقع في ذلك الوقت منا ومنه حتى يتبين لك نسيانه وفقدان عزمه( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ )قد سبق الكلام فيه مرارا( أَبى )جملة مستأنفة وقعت جوابا عن سؤال نشأ عن الإخبار بعدم سجوده كأنه قيل ما باله لم يسجد فقيل أبى واستكبر ومفعول أبى إما محذوف أي أبى السجود كما قوله تعالىأَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَأو غير منوى رأسا بتنزيله منزلة اللازم أي فعل الإباء وأظهره( فَقُلْنا )عقيب 117 ذلك اعتناء بنصحه( يا آدَمُ إِنَّ هذا )الذي رأيت ما فعل( عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما )أي لا يكونن سببا لإخراجكما( مِنَ الْجَنَّةِ )والمراد نهيهما عن أن يكونا بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما منها بالطريق البرهاني كما في قولك لا أرينك هاهنا والفاء لترتيب موجب النهى على عداوته لهما أو على الإخبار بها( فَتَشْقى )جواب للنهي وإسناد الشقاء إليه خاصة بعد تعليق الإخراج الموجب له بهما معا لأصالته في الأمور واستلزام شقائه لشقائها مع ما فيه من مراعاة الفواصل وقيل المراد بالشقاء التعب في تحصيل مبادى المعاش وذلك من وظائف الرجال( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى )( وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى )تعليل لما يوجبه النهى فإن اجتماع أسباب الراحة فيها مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 45 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي