تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 83 إلى 85 ] وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 83 ) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 84 ) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 )
شرح
فإنه صريح في كونه حكاية لعدم إيقانهم السابق في الدنيا والمراد بالناس إما الكفرة على الإطلاق أو مشركو مكة وقد روى عن وهب أنها تخبر كل من تراه أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون وقرئ تكلمهم من الكلم الذي هو الجرح والمراد به ما نقل من الوسم بالعصا والخاتم وقد جوز كون 83 القراءة المشهورة أيضا منه لمعنى التكثير ولا يخفى بعده( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً )بيان إجمالى لحال المكذبين عند قيام الساعة بعد بيان بعض مباديها ويوم منصوب بمضمر خوطب به النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلى الشامل لكافة الخلق وتوجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث قد مر بيان سره مرارا أي واذكر لهم وقت حشرنا أي جمعنا من كل أمة من أمم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو من أهل كل قرن من القرون جماعة كثيرة فمن تبعيضية لأن كل أمة منقسمة إلى مصدق ومكذب وقوله تعالى( مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا )بيان للفوج أي فوجا مكذبين بها( فَهُمْ يُوزَعُونَ )أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يتلاحقوا ويجتمعوا في موقف التوبيخ والمنافشة وفيه من الدلالة على كثرة عددهم وتباعد أطرافهم ما لا يخفى وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما أبو جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة وهكذا يحشر قادة سائر الأمم 84 بين أيديهم إلى النار( حَتَّى إِذا جاؤُ )إلى موقف السؤال والجواب والمناقشة والحساب( قالَ )أي اللّه عزّ وجل موبخا لهم على التكذيب والالتفات لتربية المهابة( أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي )الناطقة بلقاء يومكم هذا وقوله تعالى( وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً )جملة حالية مفيدة لزيادة شناعة التكذيب وغاية قبحه ومؤكدة للإنكار والتوبيخ أي أكذبتم بها بادئ الرأي غير ناظرين فيها نظرا يؤدى إلى العلم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق حتما وهذا نص في أن المراد بالآيات فيما سلف في الموضعين هي الآيات القرآنية لأنها هي المنطوية على دلائل الصحة وشواهد الصدق التي لم يحيطوا بها علما مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها لا نفس الساعة وما فيها وقيل هو معطوف على كذبتم أي أجمعتم بين التكذيب وعدم التدبر بها( أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )أي أم أي شئ كنتم تعملون بها أو أم أي شئ كنتم تعملون غير ذلك بمعنى أنه لم يكن لهم عمل غير ذلك كأنهم لم يخلقوا إلا للكفر والمعاصي مع أنهم ما خلقوا إلا للإيمان والطاعة يخاطبون بذلك 85 تبكيا ثم يكبون في النار وذلك قوله تعالى( وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ )أي حل بهم العذاب الذي هو مدلول القول الناطق بحلوله ونزوله( بِما ظَلَمُوا )بسبب ظلمهم الذي هو تكذيبهم بآيات اللّه( فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ )لانقطاعهم عن الجواب بالكلية وابتلائهم بشغل شاغل من العذاب الأليم .
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 302 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي