تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 62 إلى 63 ] أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 )
شرح
( وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ )أي جبالا ثوابت تمنعها أن تميد بأهلها ويتكون فيها المعادن وينبع في حضيضها الينابيع ويتعلق بها من المصالح ما لا يحصى( وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ )أي العذب والمالح أو خليجى فارس والروم( حاجِزاً )برزخا مانعا من الممازجة وقد مر في سورة الفرقان والجعل في المواقع الثلاثة الأخيرة إبداعى وتأخير مفعوله عن الظرف لما مر مرارا من التشويق( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ )في الوجود أو في إبداع هذه البدائع على ما مر( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ )أي شيئا من الأشياء ولذلك لا يفهمون بطلان ما هم عليه من * الشرك مع كمال ظهوره( أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ )وهو الذي أحوجته شدة من الشدائد وألجأته إلى 62 اللجأ والضراعة إلى اللّه عزّ وجل اسم مفعول من الاضطرار الذي هو افتعال من الضرورة وعن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما هو المجهود وعن السدى رحمه اللّه تعالى من لا حول له ولا قوة وقيل المذنب إذا استغفر واللام للجنس لا للاستغراق حتى يلزم إجابة كل مضطر( وَيَكْشِفُ السُّوءَ )وهو الذي يعترى * الإنسان مما يسوؤه( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ )أي خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم من الأمم وقيل المراد بالخلافة الملك والتسلط( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ )الذي يفيض على كافة الأنام هذه النعم الجسام( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ )أي تذكرا قليلا أو زمانا قليلا تتذكرون وما مزيدة لتأكيد معنى القلة التي * أريد بها العدم أو ما يجرى مجراه في الحقارة وعدم الجدوى وفي تذييل الكلام بنفي التذكر عنهم إيذان بأن مضمونه مركوز في ذهن كل ذكى وغبي وأنه من الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه وتذكره وقرئ تتذكرون على الأصل وتذكرون ويذكرون بالتاء والياء مع الإدغام( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ )أي في ظلمات الليالي فيهما على أن الإضافة للملابسة أو في مشتبهات الطرق يقال طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها( وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ )وهي المطر ولئن صح أن السبب * الأكثرى في تكون الريح معاودة الأدخنة الصاعدة من الطبقة الباردة لانكسار حرها وتمويجها للهواء فلا ريب في أن الأسباب الفاعلية والقابلية لذلك كله من خلق اللّه عزّ وجل والفاعل للسبب فاعل للمسبب قطعا( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ )نفى لأن يكون معه إله آخر وقوله تعالى( تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )تقرير * وتحقيق له وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار للإشعار بعلة الحكم أي تعالى وتنزه بذاته المنفردة بالألوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال ونعوت الجمال والجلال المقتضية لكون كل المخلوقات مقهورا تحت قدرته عما يشركون أي عن وجود ما يشركونه به تعالى لا مطلقا فإن وجوده مما لا مرد له بل عن