تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ( 17 ) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 )
شرح
17( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ )نصب على أنه مفعول لمضمر مقدم معطوف على قوله تعالىقُلْ أَ ذلِكَالخ أي واذكر لهم بعد التقريع والتحسير يوم يحشرهم اللّه عزّ وجل وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث الهائلة قد مر وجهه غير مرة أو على أنه ظرف لمضمر مؤخر قد حذف للتنبيه على كمال هوله وفظاعة ما فيه والإيذان بقصور العبارة عن بيانه أي يوم يحشرهم يكون من الأحوال والأهوال * ما لا يفي ببيانه المقال وقرئ بنون العظمة بطريق الالتفات من الغيبة إلى التكلم وبكسر الشين أيضا( وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )أريد به ما يعم العقلاء وغيرهم إما لأن كلمة ما موضوعة للكل كما ينبئ عنه أنك إذا رأيت شبحا من بعيد تقول ما هو أو لأنه أريد به الوصف لا الذات كأنه قيل ومعبوديهم أو لتغليب الأصنام على غيرها تنبيها على أنهم مثلها في السقوط عن رتبة المعبودية أو اعتبارا لغلبة عبدتها أو أريد به الملائكة والمسيح وعزير بقرينة السؤال والجواب أو الأصنام ينطقها اللّه تعالى أو تكلم بلسان الحال * كما قيل في شهادة الأيدي والأرجل( فَيَقُولُ )أي اللّه عزّ وجل للمعبودين إثر حشر الكل تقريعا للعبدة وتبكيتا لهم وقرئ بالنون كما عطف عليه وقرئ هذا بالياء والأول بالنون على طريق الالتفات إلى الغيبة( أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ )بأن دعوتموهم إلى عبادتكم كما في قوله تعالىأَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ( أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ )أي عن السبيل بأنفسهم لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد فحذف الجار وأوصل الفعل إلى المفعول كقوله تعالىوَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَوالأصل إلى السبيل أو للسبيل 18 وتقديم الضميرين على الفعلين لأن المقصود بالسؤال هو المتصدى للفعل لا نفسه( قالُوا )استئناف مبنى على سؤال نشأ من حكاية السؤال كأنه قيل فما ذا قالوا في الجواب فقيل قالوا( سُبْحانَكَ )تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة معصومون أو جمادات لا قدرة لها على شئ أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه تعالى وتوحيده فكيف يتأتى منهم إضلال عباده أو تنزيها له تعالى عن الأنداد( ما كانَ يَنْبَغِي لَنا )أي ما صح وما استقام لنا *( أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ )أي متجاوزين إياك( مِنْ أَوْلِياءَ )نعبدهم لما بنا من الحالة المنافية له فأنى يتصور أن نحمل غيرنا على أن يتخذ وليا غيرك فضلا أن يتخذنا وليا أو أن نتخذ من دونك أولياء أي أتباعا فإن الولي كما يطلق على المتبوع يطلق على التابع كالمولى يطلق على الأعلى والأسفل ومنه أولياء الشيطان أي أتباعه وقرئ على البناء للمفعول من المتعدى إلى المفعولين كما في قوله تعالىوَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًاومفعوله الثانيمِنْ أَوْلِياءَعلى أن من للتبعيض أي أن نتخذ بعض أولياء وهي على الأول مزيدة وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 208 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي