تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
[ سورة النور ( 24 ) : الآيات 42 إلى 43 ] وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ( 42 ) أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ ( 43 )
شرح
إلى ضمير العقلاء لما مر غير مرة وعلى الثاني إما عبارة عنها وعن التسبيح الخاص بالطير معا أو عن تسبيح الطير فقط فالفعل على حقيقته وإسناده إلى ضمير العقلاء لما مر والاعتراض حينئذ مقرر لتسبيح الطير فقط وعلى الأولين لتسبيح الكل هذا وقد قيل إن الضمير في قوله تعالىقَدْ عَلِمَللّه عزّ وجل وفيصَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُلكل أي قد علم اللّه تعالى صلاة كل واحد مما في السماوات والأرض وتسبيحه فالاعتراض حينئذ مقرر لمضمونه على الوجهين لكن لا على أن تكون ما عبارة عما تعلق به علمه تعالى من صلاته 42 وتسبيحه بل عن جميع أحواله العارضة له وأفعاله الصادرة عنه وهما داخلتان فيها دخولا أوليا( وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )لا لغيره لأنه الخالق لهما ولما فيهما من الذوات والصفات وهو المتصرف في جميعها إيجادا وإعداما بدءا وإعادة وقوله تعالى( وَإِلَى اللَّهِ )أي إليه تعالى خاصة لا إلى غيره( الْمَصِيرُ )أي رجوع الكل بالفناء والبعث بيان لاختصاص الملك به تعالى في المعاد إثر بيان اختصاصه به تعالى في 43 المبدأ وإظهار الاسم الجليل في موقع الإضمار لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً )الإزجاء سوق الشئ برفق وسهولة غلب في سوق شئ يسيرا وغير معتد به ومنه البضاعة المزجاة ففيه إيماء * إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به( ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ )أي بين أجزائه بضم بعضها إلى بعض وقرئ يولف بغير همزة( ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً )أي متراكما بعضه فوق بعض( فَتَرَى الْوَدْقَ )أي المطر إثر * تراكمه وتكاثفه وقوله تعالى( يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ )أي من فتوقه حال من الودق لأن الرؤية بصرية وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته خارجا لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالىأَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى والخلال جمع خلل كجبال وجبل وقيل * مفرد كحجاب وحجاز ويؤيده أنه قرئ من خلله( وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ )من الغمام فإن كل ما علاك سماء( مِنْ جِبالٍ )أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم كائنة( فِيها )وقوله تعالى( مِنْ بَرَدٍ )مفعول ينزل على أن من تبعيضية والأوليان لابتداء الغاية على أن الثانية بدل اشتمال من الأولى بإعادة الجار أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض برد وقيل المفعول محذوف ومن برد بيان للجبال أي ينزل مبتدئا من السماء من جبال فيها من جنس البرد بردا والأول أظهر لخلوه عن ارتكاب الحذف والتصريح ببعضية المنزل وقيل المفعول من جبال على أن من تبعيضية ومن برد بيان للجبال أي ينزل من السماء بعض جبال كائنة فيها من برد أي مشبهة بالجبال في الكثرة وأياما كان فتقديم الجار والمجرور على المفعول لما مر غير مرة من الاعتناء بالمقدم