تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 25 إلى 28 ] قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 )
شرح
25 العظيمة التي هي دعوى الربوبية( قالَ )استئناف مبنى على سؤال ينساق إليه الذهن كأنه قبل فما ذا قال عليه الصلاة والسلام حين أمر بهذا الأمر الخطير والخطب العسير فقيل قال مستعينا بربه عزّ وجل 26( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي )( وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي )لما أمر بما أمر به من الخطب الجليل تضرع إلى ربه عزّ وجل وأظهر عجزه بقوله ويضيق صدري ولا ينطلق لساني وسأله تعالى أن يوسع صدره ويفسح قلبه ويجعله عليما بشؤون الحق وأحوال الخلق حليما حمولا يستقبل ما عسى يرد عليه من الشدائد والمكاره بجميل الصبر وحسن الثبات ويتلقاها بصدر فسيح وجأش رابط وأن يسهل عليه مع ذلك أمره الذي هو أجل الأمور وأعظمها وأصعب الخطوب وأهولها بتوفيق الأسباب ورفع الموانع وفي زيادة كلمة لي مع انتظام الكلام بدونها تأكيد لطلب الشرح والتيسير بإبهام المشروح والميسر أولا وتفسيرهما ثانيا وفي تقديمها وتكريرها إظهار مزيد اعتناء بشأن كل من المطلوبين وفضل اهتمام باستدعاء حصولهما له واختصاصهما 27 به( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي )روى أنه كان في لسانه عليه الصلاة والسلام رتة من جمرة أدخلها فاه في صغره وذلك أن فرعون حمله ذات يوم فأخذ لحيته ينتفها لما كان فيها من الجواهر فغضب وأمر بقتله فقالت آسية إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة فوضعها في فيه قيل واحترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله تعالىقَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَومن لم يقل به احتج بقوله تعالىهُوَ أَفْصَحُ مِنِّيوقوله تعالىوَلا يَكادُ يُبِينُوأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية بل حل عقدة تمنع الإفهام ولذلك نكرها ووصفها بقوله من لساني أي عقدة كائنة 28 من عقد لساني وجعل قوله تعالى( يَفْقَهُوا قَوْلِي )جواب الأمر وغرضا من الدعاء فبحلها في الجملة بتحقق إيتاء سؤله عليه الصلاة والسلام والحق أن ما ذكر لا يدل على بقائها في الجملة أما قوله تعالىهُوَ أَفْصَحُ مِنِّيفلأنه عليه الصلاة والسلام قاله استدعاء الحل كما ستعرفه على أن أفصحيته منه عليهما للصلاة والسلام لا تستدعى بقاءها أصلا بل تستدعى عدم البقاء لما أن الأفصحية توجب ثبوت أصل الفصاحة في المفضول أيضا وذلك مناف للعقدة رأسا وأما قوله تعالىوَلا يَكادُ يُبِينُفمن باب غلو اللعين في العتو والطغيان وإلا لدل على عدم زوالها أصلا وتنكيرها إنما يفيد قلتها في نفسها لا قلتها باعتبار كونها بعضا من الكثير وتعلق كلمة من في قوله تعالىمِنْ لِسانِيبمحذوف هو صفة لها ليس بمقطوع به بل الظاهر تعلقها بنفس الفعل فإن المحلول إذا كان