تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 89
33 - سورة الأحزاب ( مدنية وهي ثلاث وسبعون آية ) [ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 1 إلى 2 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ( 1 ) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 2 ) ( سورة الأحزاب مدنية وهي ثلاث وسبعون آية ) ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ) في ندائه صلّى اللّه عليه وسلم بعنوان النبوة تنويه بشأنه وتنبيه على 1 سمو مكانه والمراد بالتقوى المأمور به الثبات عليه والازدياد منه فإن له بابا واسعا وعرضا عريضا لا ينال مداه ( وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ ) أي المجاهرين بالكفر ( وَالْمُنافِقِينَ ) المضمرين له أي فيما يعود بوهن في الدين * وإعطاء دنية فيما بين المسلمين روى أن أبا سفيان بن حرب وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمى قدموا عليه صلّى اللّه عليه وسلم في الموادعة التي كانت بينه صلّى اللّه عليه وسلم وبينهم وقام معهم عبد اللّه بن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ارفض ذكر آلهتنا وقل إنها تشفع وتنفع وندعك وربك فشق ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلم والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت أي اتق اللّه في نقض العهد ونبذ الموادعة ولا تساعد الكافرين من أهل مكة والمنافقين من أهل المدينة فيما طلبوا إليك ( إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ) مبالغا في العلم والحكمة فيعلم * جميع الأشياء من المصالح والمفاسد فلا يأمرك إلا بما فيه مصلحة ولا ينهاك إلا عما فيه مفسدة ولا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة البالغة فالجملة تعليل للأمر والنهى مؤكد لوجوب الامتثال بهما ( وَاتَّبِعْ ) أي في 2 كل ما تأتى وتذر من أمور الدين ( ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) من الآيات التي من جملتها هذه الآية الآمرة بتقوى اللّه الناهية عن مساعدة الكفرة والمنافقين والتعرض لعنوان الربوبية لتأكيد وجوب الامتثال بالأمر ( إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) قيل الخطاب للرسول صلّى اللّه عليه وسلم والجمع للتعظيم وقيل له صلّى اللّه عليه وسلم * وللمؤمنين وقيل للغائبين بطريق الالتفات ولا يخفى بعده نعم يجوز أن يكون للكل على ضرب من التغليب وأيا ما كان فالجملة تعليل للأمر وتأكيد لموجبه أما على الوجهين الأولين فبطريق الترغيب والترهيب كأنه قيل إن اللّه خبير بما تعملونه من الامتثال وتركه فيرتب على كل منهما جزاءه ثوابا وعقابا وأما على الوجه الأخير فبطريق الترغيب فقط كأنه قيل إن اللّه خبير بما يعمله كلا الفريقين فيرشدك إلى ما فيه صلاح حالك وانتظام أمرك ويطلعك على ما يعملونه من المكايد والمفاسد ويأمرك بما ينبغي لك أن تعمله في دفعها وردها فلا بد من اتباع الوحي والعمل بمقتضاه حتما .