تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 19 إلى 21 ] يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 19 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 )
شرح
رحمته ونعمته شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه الحمد وموجبة لتسبيحه وتحميده حتما وقوله تعالىوَعَشِيًّاعطف علىحِينَ تُمْسُونَوتقديمه علىحِينَ تُظْهِرُونَلمراعاة الفواصل وتغيير الأسلوب لما أنه لا يجئ منه الفعل بمعنى الدخول في العشى كالمساء والصباح والظهيرة ولعل السر في ذلك أنه ليس من الأوقات التي تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيرا ظاهرا مصححا لوصفهم بالخروج عما قبلها والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلا منها وقت تتغير فيه الأحوال تغيرا ظاهرا أما في المساء والصباح فظاهر وأما في الظهيرة فلأنها وقت يعتاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة كما مر في سورة النور وقيل المراد بالتسبيح والحمد الصلاة لاشتمالها عليهما وقد روى عن ابن عباس رضى اللّه تعالى عنهما أن الآية جامعة للصلوات الخمس تمسون صلاتا المغرب والعشاء وتصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر وتظهرون صلاة الظهر ولذلك ذهب الحسن إلى أنها مدنية إذ كان يقول إن الواجب بمكة ركعتان في أي وقت اتفقتا وإنما فرضت الخمس بالمدينة والجمهور على أنها فرضت بمكة وهو الحق لحديث المعراج وفي آخره هن خمس صلوات كل يوم وليلة . عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقلفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَالآية وعنه صلّى اللّه عليه وسلم من قال حين يصبحفَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَإلى قوله تعالىوَكَذلِكَ تُخْرَجُونَأدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين يمسى أدرك ما فاته في ليلته وقرئ حينا تمسون وحينا تصبحون أي تمسون فيه وتصبحون فيه( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ )كالإنسان من النطفة والطير من البيضة( وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ )النطفة والبيضة من الحيوان( وَيُحْيِ الْأَرْضَ )بالنبات( بَعْدَ مَوْتِها )يبسها( وَكَذلِكَ )ومثل ذلك الإخراج( تُخْرَجُونَ )من قبوركم وقرئ تخرجون بفتح التاء وضم الراء وهذا نوع تفصيل لقوله تعالىاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ( وَمِنْ آياتِهِ )الباهرة الدالة على أنكم تبعثون دلالة أوضح مما سبق فإن دلالة بدء 20 خلقهم على إعادتهم أظهر من دلالة إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي ومن دلالة إحياء الأرض بعد موتها عليها( أَنْ خَلَقَكُمْ )أي في ضمن خلق آدم عليه السلام لما مر مرارا من أن خلقه صلّى اللّه عليه وسلم منطو على خلق ذرياته انطواء إجماليا( مِنْ تُرابٍ )لم يشم رائحة الحياة قط ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم( ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ )أي فاجأتم بعد ذلك وقت كونكم بشرا تنتشرون في الأرض وهذا مجمل ما فصل في قوله تعالىيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍالآية( وَمِنْ آياتِهِ )الدالة على ما ذكر من البعث وما بعده من الجزاء( أَنْ خَلَقَ لَكُمْ )أي 21