[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 3 إلى 5 ]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 3 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 4 ) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ ( 5 )
شرح
الشأن أقول لكم أنذروا أو مفسرة على أن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول كأنه قيل يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أنذروا فلا محل لها من الإعراب أو مصدرية لجواز كون صلتها إنشائية كما في قوله تعالىوَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَحسبما ذكر في أوائل سورة هود فمحلها الجر على البدلية أيضا والإنذار الإعلام خلا أنه مختص بإعلام المحذور من نذر بالشئ إذا علمه فحذره وأنذره بالأمر إنذارا أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه * كذا في القاموس أي أعلموا الناس( أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا )فالضمير للشأن ومدار وضعه موضعه ادعاء شهرته المغنية عن التصريح به وفائدة تصدير الجملة به الإيذان من أول الأمر بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقرير له في الذهن فإن الضمير لا يفهم منه ابتداء إلا شأن مبهم له خطر فيبقى الذهن مترقبا لما يعقبه فيتمكن لديه عند وروده فضل تمكن كأنه قيل أنذروا أن الشأن الخطير هذا وأنباء مضمونه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصاف المنذرين بما يضاده من الإشراك وذلك كاف في كون إعلامه إنذارا * وقوله سبحانه( فَاتَّقُونِ )خطاب للمستعجلين على طريقة الالتفات والفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادته تعالى بتنزيل الملائكة على الأنبياء عليهم السلام وأمرهم بأن ينذروا الناس أنه لا شريك له في الألوهية فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرة ما ينافيه من الإشراك وفروعه التي من جملتها الاستعجال والاستهزاء وبعد تمهيد الدليل السمعي للتوحيد شرع في تحرير الأدلة العقلية فقيل 3( خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ )أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمط اللائق( تَعالى )* وتقدس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداع هذين المخلوقين( عَمَّا يُشْرِكُونَ )عن إشراكهم المعهود أو عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يبدئ ولا يعيد وبعد ما نبه على صنعه الكلى المنطوى على 4 تفاصيل مخلوقاته شرع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال( خَلَقَ الْإِنْسانَ )أي * هذا النوع غير الفرد الأول منه( مِنْ نُطْفَةٍ )جماد لا حس له ولا حراك سيال لا يحفظ شكلا ولا وضعا *( فَإِذا هُوَ )بعد الخلق( خَصِيمٌ )منطيق مجادل عن نفسه مكافح للخصوم( مُبِينٌ )لحجته لقن بها وهذا أنسب بمقام الامتنان بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدته أو مخاصم لخالقه منكر له قائل من يحيى العظام وهي رميم وهذا أنسب بمقام تعداد هنات الكفرة روى أن أبي بن خلف 5 الجمحي أنى النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعظم رميم فقال يا محمد أترى اللّه تعالى يحيى هذا بعد ما قد رم فنزلت( وَالْأَنْعامَ )وهي * الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز وانتصابه بمضمر يفسره قوله تعالى( خَلَقَها )أو بالعطف * على الإنسان وما بعده بيان ما خلق لأجله والذي بعده تفصيل لذلك وقوله تعالى( لَكُمْ )إما متعلق بخلقها * وقوله( فِيها )خبر مقدم وقوله( دِفْءٌ )مبتدأ وهو ما يدفأ به فيقى من البرد والجملة حال من المفعول أو