Skip to main content

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 257

Contributors:

P.257
ذلك القول البديع قلت أي مثل ذلك الوعد الخارق للعادة وعدت هو على خاصة هين وإن كان في العادة مستحيلا وقرئ وهو على هين فالجملة حينئذ حال من ربك والياء عبارة عن ضميره كما ستعرفه أو اعتراض وعلى كل حال فهي مؤكدة ومقررة لما قبلها ثم أخرج القول الثاني مخرج الالتفات جريا على سنن الكبرياء لتربية المهابة وإدخال الروعة كقول الخلفاء أمير المؤمنين يرسم لك مكان أنا أرسم ثم أسند إلى اسم الرب المضاف إلى ضميره عليه السلام تشريفا له وإشعارا بعلة الحكم فإن تذكير جريان أحكام ربوبيته تعالى عليه عليه الصلاة والسلام من إيجاده من العدم وتصريفه في أطوار الخلق من حال إلى حال شيئا فشيئا إلى أن يبلغ كماله اللائق به مما يقلع أساس استبعاده عليه الصلاة والسلام لحصول الموعود ويورثه عليه الصلاة والسلام الاطمئنان بإنجازه لا محالة ثم التفت من ضمير الغائب العائد إلى الرب إلى ياء العظمة إيذانا بأن مدار كونه هينا عليه سبحانه هو القدرة الذاتية لا ربوبيته تعالى له عليه الصلاة والسلام خاصة وتمهيدا لما يعقبه وقيل ذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله تعالى
هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
على طريقة قوله تعالى
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
ولا يخرج هذا الوجه على القراءة بالواو لأنها لا تدخل بين المفسر والمفسر وإما الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وذلك إشارة إلى ما تقدم من وعده تعالى أي قال عزّ وعلا الأمر كما وعدت وهو واقع لا محالة وقوله تعالى
قالَ رَبُّكَ
الخ استئناف مقرر لمضمونه والجملة المحكية على القراءة الثانية معطوفة على المحكية الأولى أو حال من المستكن في الجار والمجرور وأيا ما كان فتوسيط قال بينهما مشعر بمزيد الاعتناء بكل منهما والكلام في إسناد القول إلى الرب ثم الالتفات إلى التكلم كالذي مر آنفا وقيل ذلك إشارة إلى ما قاله زكريا عليه الصلاة والسلام أي قال تعالى الأمر كما قلت تصديقا له فيما حكاه من الحالة المباينة للولادة في نفسه وفي امرأته وقوله تعالى
قالَ رَبُّكَ
الخ استئناف مسوق لإزالة استبعاده بعد تقريره أي قال تعالى هو مع بعده في نفسه على هين والقراءة الثانية أدخل في إفادة هذا المعنى على أن الواو للعطف وأما جعلها للحال فمخل بسداد المعنى لأن مآله تقرير صعوبته حال سهولته عليه تعالى مع أن المقصود بيان سهولته عليه سبحانه مع صعوبته في نفسه وقوله تعالى
( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً )
جملة مستأنفة مقررة لما قبلها والمراد به ابتداء خلق البشر هو الواقع إثر العدم المحض لا ما كان بعد ذلك بطريق التوالد المعتاد وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه الصلاة والسلام وهو المخلوق من العدم حقيقة بأن يقال وقد خلقت أباك أو آدم من قبل ولم يك شيئا مع كفايته في إزالة الاستبعاد بقياس حال ما بشر به على حاله عليه الصلاة والسلام لتأكيد الاحتجاج به وتوضيح منهاج القياس حيث نبه على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه عليه الصلاة والسلام من العدم إذ لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه بل كانت أنموذجا منطويا على فطرية سائر آحاد الجنس انطواء إجماليا مستتبعا لجريان آثارها على الكل فكان إبداعه عليه الصلاة والسلام على ذلك الوجه إبداعا لكل أحد من فروعه كذلك ولما كان خلقه عليه الصلاة والسلام على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته أبدع من أن يكون ذلك مقصورا على نفسه كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه وأدل على عظم قدرته تعالى وكمال علمه وحكمته وكان عدم
تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — Page 257 | أبي السعود محمد بن محمد العمادي