تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 12 ] ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ( 12 )
شرح
إيتاء رحمة لدنية خافية عن أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابة لدعوتهم( فِي الْكَهْفِ )ظرف * مكان لضربنا( سِنِينَ )ظرف زمان له باعتبار بقائه لا ابتدائه( عَدَداً )أي ذوات عدد أو تعد عددا على * أنه مصدر أو معدودة على أنه بمعنى المفعول ووصف السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسب بإظهار كمال القدرة أو للتقليل وهو الأليق بمقام إنكار كون القصة عجبا من بين سائر الآيات العجيبة فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده عزّ وجل( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ )أي أيقظناهم من تلك النومة الثقيلة الشبيهة بالموت( لِنَعْلَمَ )بنون 12 العظمة وقرئ بالياء مبنيا للفاعل بطريق الالتفات وأيا ما كان فهو غاية للبعث لكن لا بجعل العلم مجازا من الإظهار والتمييز أو بحمله على ما يصح وقوعه غاية للبعث الحادث من العلم الحالي الذي يتعلق به الجزاء كما في قوله تعالىإِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِوقوله تعالىوَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواونظائرهما التي يتحقق فيها العلم بتحقق متعلقه قطعا فإن تحويل القبلة قد ترتب عليه تحزب الناس إلى متبع ومنقلب وكذا مداولة الأيام بين الناس ترتب عليه تحزبهم إلى الثابت على الإيمان والمتزلزل فيه وتعلق بكل من الفريقين العلم الحالي والإظهار والتمييز وأما بعث هؤلاء فلم يترتب عليه تفرقهم إلى المحصى وغيره حتى يتعلق بهما العلم أو الإظهار والتمييز ويتسنى نظم شئ من ذلك في سلك الغاية وإنما الذي ترتب عليه تفرقهم إلى مقدر تقديرا غير مصيب ومفوض إلى العلم الرباني وليس شئ منهما من الإحصاء في شئ بل يحمل النظم الكريم على التمثيل المبنى على جعل العلم عبارة عن الاختبار مجازا بطريق إطلاق اسم المسبب على السبب وليس من ضرورة الاختبار صدور الفعل المختبر به عن المختبر قطعا بل قد يكون لإظهار عجزه عنه على سنن التكاليف التعجيزية كقوله تعالىفَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِوهو المراد هاهنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبرهم( أَيُّ الْحِزْبَيْنِ )أي الفريقين المختلفين في مدة لبثهم بالتقدير والتفويض كما * سيأتي( أَحْصى )أي أضبط( لِما لَبِثُوا )أي للبثهم( أَمَداً )أي غاية فيظهر لهم عجزهم ويفوضوا ذلك إلى * العليم الخبير ويتعرفوا حالهم وما صنع اللّه تعالى بهم من حفظ أبدانهم وأديانهم فيزدادوا يقينا بكمال قدرته وعلمه ويستبصروا به أمر البعث ويكون ذلك لطفا لمؤمني زمانهم وآية بينة لكفارهم وقد اقتصر هاهنا من تلك الغايات الجليلة على ذكر مبدئها الصادر عنه عزّ وجل وفيما سيأتي على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدى إليها وهذا أولى من تصوير التمثيل بأن يقال بعثناهم بعث من يريد أن يعلم الخ حسبما وقع في تفسير قوله تعالىوَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواعلى أحد الوجوه حيث حمل على معنى فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان من غير الثابت إذ ربما يتوهم منه استلزام الإرادة لتحقق المراد فيعود المحذور فيصار إلى جعل إرادة العلم عبارة عن الاختبار فاختبر واختر . هذا وقد قرئ ليعلم مبنيا للمفعول ومبنيا للفاعل من الإعلام على أن المفعول الأول محذوف والجملة المصدرة بأي في موقع المفعول الثاني فقط إن جعل العلم عرفانيا أو في موقع المفعولين إن جعل يقينيا أي ليعلم اللّه الناس أي الحزبين أحصى الخ وروى عطاء عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن أحد الحزبين الفتية والآخر الملوك الذين تداولوا المدينة ملكا