[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 62 إلى 63 ]
قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 )
شرح
من حال الملائكة حال غيرهم من عيسى وعزير عليهما السلام في الطاعة وابتغاء الوسيلة ورجاء الرحمة * ومخافة العذاب ومن حال إبليس حال من يعاند الحق ويخالف الأمر أي واذكر وقت قولنا لهم( اسْجُدُوا لِآدَمَ )تحية وتكريما لما له من الفضائل المستوجبة لذلك( فَسَجَدُوا )له من غير تلعثم امتثالا للأمر وأداء * لحقه عليه الصلاة والسلام( إِلَّا إِبْلِيسَ )وكان داخلا في زمرتهم مندرجا تحت الأمر بالسجود( قالَ )* أي عندما وبخ بقوله عزّ سلطانهيا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَوقولهما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَوقولهما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّكما أشير إليه في سورة الحجر( أَ أَسْجُدُ )وأنا مخلوق من العنصر العالي( لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً )نصب على نزع الخافض أي من طين أو حال من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين أو من نفس الموصول أي أأسجد له وأصله طين والتعبير عنه صلّى اللّه عليه وسلم بالموصول لتعليل إنكاره بما في حين الصلة( قالَ )أي إبليس لكن لا عقيب كلامه المحكى بل بعد الإنظار المترتب على استنظاره 62 المتفرع على الأمر بخروجه من بين الملأ الأعلى باللعن المؤبد وإنما لم تصرح بذلك اكتفاء بما ذكر في مواضع أخر فإن توسيط قال بين كلامي اللعين للإيذان بعدم اتصال الثاني بالأول وعدم ابتنائه عليه بل على غيره كما في قوله تعالىقالَ فَما خَطْبُكُمْبعد قوله تعالىقالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ( أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ )الكاف لتأكيد الخطاب لا محل لها من الإعراب وهذا مفعول أول والموصول صفته والثاني محذوف لدلالة الصلة عليه أي أخبرني عن هذا الذي كرمته على بأن أمرتني بالسجود له لم كرمته على وقيل هذا مبتدأ حذف عنه حرف الاستفهام والموصول مع صلته خبره ومقصوده الاستصفار والاستقحار أي أخبرني أهذا من كرمته على وقيل معنى أرأيتك أتأملت كأن المتكلم ينبه المخاطب على استحضار ما يخاطبه عقيبه( لَئِنْ أَخَّرْتَنِ )حيا( إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ )كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه قوله( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ )أي * لأستأصلنهم من قولهم احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا أو لأقودنهم حيث ما شئت ولأستولين عليهم استيلاء قويا من قولهم حنكت الدابة واحتنكتها إذا جعلت في حنكها الأسفل حبلا تقودها به وهذا كقولهلَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَوإنما علم تسنى ذلك المطلب له تلقيا من جهة الملائكة عليهم الصلاة والسلام أو استنباطا من قولهمأَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَأو نوسما من خلقه( إِلَّا قَلِيلًا )منهم وهم المخلصون الذين عصمهم اللّه تعالى( قالَ اذْهَبْ )أي امض لشأنك الذي اخترته 63 وهو طرد له وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه( فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ )أي جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب رعاية لحق المتبوعية( جَزاءً مَوْفُوراً )أي جزاء مكملا من قولهم فر لصاحبك * عرضه فرة اى وفر وهو نصب على أنه مصدر مؤكد لما في قولهفَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْمن معنى تجازون أو للفعل المقدر أو حال موطئة لقولهمَوْفُوراً.