تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
[ سورة النحل ( 16 ) : آية 78 ] وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 )
شرح
قاطبة بحيث لا سبيل لهم إليها لا مشاهدة ولا استدلالا ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما إما باعتبار الوقوع فيهما حالا أو مآلا وإما باعتبار الغيبة عن أهلهما والمراد بيان الاختصاص به تعالى من حيث المعلومية حسبما ينبئ عنه عنوان الغيبة لا من حيث المخلوقية والمملوكية وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر وفيه إشعار بأن علمه سبحانه حضوري فإن تحقق الغيوب في نفسها علم بالنسبة إليه تعالى ولذلك لم يقل وللّه علم غيب السماوات والأرض( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ )التي هي أعظم ما وقع فيه المماراة من الغيوب المتعلقة بهما من حيث * غيبتها عن أهلهما أو ظهور آثارها فيهما عند وقوعها فإن وقت وقوعها بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كان إنيتها من الغيوب التي نصبت عليها الأدلة أي ما شأنها في سرعة المجىء( إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ )أي كرجع * الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها( أَوْ هُوَ )أي بل أمرها فيما ذكر( أَقْرَبُ )من ذلك وأسرع زمانا * بأن يقع في بعض من زمانه فإن ذلك وإن قصر عن حركة أنية لها هوية اتصالية منطبقة على زمان له هوية كذلك قابل للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضا بل في آن غير منقسم من ذلك الزمان وهو آن ابتداء تلك الحركة أو ما أمرها إلا كالشىء الذي يستقرب ويقال هو كلمح البصر أو هو أقرب وأيا ما كان فهو تمثيل لسرعة مجيئها حسبما عبر عنها في فاتحة السورة الشريفة بالإتيان( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )ومن جملة * الأشياء أن يجئ بها أسرع ما يكون فهو قادر على ذلك أو وما أمر إقامة الساعة التي كنهها وكيفيتها من الغيوب الخاصة به سبحانه وهي إماتة الأحياء وإحياء الأموات من الأولين والآخرين وتبديل صور الأكوان أجمعين وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخل تحت الإمكان في سرعة الوقوع وسهولة التأتى إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الوجهين إن اللّه على كل شئ قدير فهو قادر على ذلك لا محالة وقيل غيب السماوات والأرض عبارة عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائب عن أهلهما فوضع الساعة موضع الضمير لتقوية مضمون الجملة( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ )78 عطف على قوله تعالىوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاًمنتظم معه في سلك أدلة التوحيد من قوله تعالىوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءًوقوله تعالىوَاللَّهُ خَلَقَكُمْوقوله تعالىوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍوالأمهات بضم الهمزة وقرئ بكسرها أيضا جمع الأم زيدت الهاء فيه كما زيدت في إهراق من إراق وشذت زيادتها في الواحدة قال[ أمهتى خندف واليأس أبى ]( لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً )في موقع الحال أي غير عالمين شيئا أصلا *( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ )عطف علىأَخْرَجَكُمْوليس فيه دلالة على تأخر الجعل المذكور * عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو الجمع مطلقا لا الترتيب على أن أثر ذلك الجعل لا يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم وتتنبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساس فيحصل لكم علوم