[ سورة النحل ( 16 ) : آية 13 ]
وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 )
شرح
حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخرات للّه تعالى أو لما خلقن له بإرادته ومشيئته وحيث لم يكن عود منافع النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من الملوين والقمرين لم ينسب تسخيرها إليهم بأداة الاختصاص بل ذكر على وجه يفيد كونها تحت ملكوته تعالى من غير دلالة على شئ آخر ولذلك عدل عن الجملة الفعلية الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار وقرئ برفع الشمس والقمر أيضا وقرئ بنصب النجوم على أنه مفعول أول لفعل مقدر ينبئ عنه الفعل المذكور ومسخرات مفعول ثان له أي وجعل النجوم مسخرات بأمره أو على أنه معطوف على المنصوبات المتقدمة ومسخرات حال من الكل والعامل ما في سخر من معنى نفع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات للّه الذي خلقها ودبرها كيف شاء أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه أو مصدر ميمى جمع لاختلاف الأنواع أي أنواعا من التسخير وما قيل من أن فيه إيذانا بالجواب عما عسى يقال أن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها بأن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضا أمور ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجوه الممكنة فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعا للدور والتسلسل فمبناه حسبان ما ذكر أدلة على وجود الصانع تعالى وقدرته واختياره وأنت تدرى أن ليس الأمر كذلك فإنه ليس مما ينازع فيه الخصم ولا يتلعثم في قبوله قال تعالىوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَوقال تعالىوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُالآية وإنما ذلك أدلة التوحيد من حيث إن من هذا شأنه لا يتوهم أن يشاركه شئ في شئ * فضلا عن أن يشاركه الجماد في الألوهية( إِنَّ فِي ذلِكَ )أي فيما ذكر من التسخير المتعلق بما ذكر مجملا ومفصلا *( لَآياتٍ )باهرة متكاثرة( لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )وحيث كانت هذه الآثار العلوية متعددة ودلالة ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمة على الوحدانية أظهر جمع الآيات وعلقت بمجرد العقل من غير حاجة إلى التأمل والتفكر ويجوز أن يكون المراد لقوم يعقلون ذلك فالمشار إليه حينئذ تعاجيب الدقائق المودعة في العلويات المدلول عليها بالتسخير التي لا يتصدى لمعرفتها إلا المهرة من أساطين علماء الحكمة ولا ريب في أن احتياجها إلى التفكر 13 أكثر( وَما ذَرَأَ )عطف على قوله تعالىوَالنُّجُومُرفعا ونصبا على أنه مفعول لجعل أي وما خلق( لَكُمْ فِي الْأَرْضِ )من حيوان ونبات حال كونه( مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ )أي أصنافه فإن اختلافها غالبا يكون باختلاف اللون مسخر للّه تعالى أو لما خلق له من الخواص والأحوال والكيفيات أو جعل ذلك مختلف الألوان أي الأصناف لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم وقد عطف على ما قبله من المنصوبات وعقب بأن ذكر الخلق لهم مغن عن ذكر التسخير واعتذر بأن الأول لا يستلزم الثاني لزوما عقليا لجواز كون ما خلق لهم عزيز المرام صعب المنال وقيل هو منصوب بفعل مقدر أي خلق وأنبت على أن قولهمُخْتَلِفاً أَلْوانُهُحال * من مفعوله( إِنَّ فِي ذلِكَ )الذي ذكر من التسخيرات ونحوها( لَآيَةً )بينة الدلالة على أن من هذا شأنه * واحد لا ند له ولا ضد( لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ )فإن ذلك غير محتاج إلا إلى تذكر ما عسى يغفل عنه من العلوم