تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير أبي السعود ( ارشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ) — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 45 إلى 46 ] إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 )
شرح
قيل المحذوف هو التخلف والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد فيتوجه النفي إلى القيد وبه يمتاز المؤمن من المنافق وهو وإن كان في نفسه أمرا خفيا لا يوقف عليه بادئ الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة عن ذلك جعل أمرا ظاهرا مقررا وقيل هو الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهة أن يجاهدوا بناء على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهته ولا يخفى أن الاستئذان في الشئ لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل ولو سلم وقوعه فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من الاستئذان لعلة الرغبة ولو سلم فالذي نفى عن المؤمنين يجب أن يثبت للمنافقين وظاهر أنهم * لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف( وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ )شهادة لهم بالانتظام في سلك المتقين وعدة لهم بأجزل الثواب وتقرير لمضمون ما سبق كأنه قيل واللّه عليم بأنهم كذلك 45 وإشعار بأن ما صدر عنهم معلل بالتقوى( إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ )أي في التخلف مطلقا على الأول أو لكراهة * الجهاد على الثاني( الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )تخصيص الإيمان بهما في الموضعين للإيذان بأن الباعث على الجهاد ببذل النفس والمال إنما هو الإيمان بهما إذ به يتسنى للمؤمنين استبدال الحياة الأبدية * والنعيم المقيم الخالد بالحياة الفانية والمتاع الكاسد( وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ )عطف على الصلة وإيثار صيغة * الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره( فَهُمْ )حال كونهم( فِي رَيْبِهِمْ )وشكهم المستقر في قلوبهم *( يَتَرَدَّدُونَ )أي يتحيرون فإن التردد ديدن المتحير كما أن الثبات ديدن المستبصر والتعبير عنه به مما لا يخفى 46 حسب موقعه( وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ )يدل على أن بعضهم قالوا عند الاعتذار كما نريد الخروج لكن * لم نتهيأ له وقد قرب الرحيل بحيث لا يمكننا الاستعداد فقيل تكذيبا لهم لو أراده( لَأَعَدُّوا لَهُ )أي * للخروج في وقته( عُدَّةً )أي أهبة من الزاد والراحلة والسلاح وغير ذلك مما لا بد منه للسفر وقرئ عده بحذف التاء والإضافة إلى ضمير الخروج كما فعل بالعدة من قال [ وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا ] أي * عدته وقرئ عده بكسر العين وعدة بالإضافة( وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ )أي نهوضهم للخروج . قيل هو استدراك عما يفهم من مقدم الشرطية فإن انتفاء إرادتهم للخروج يستلزم انتفاء خروجهم وكراهة اللّه تعالى انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل ما خرجوا ولكن تثبطوا والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوع بين طرفي لكن بعد تحقق الاختلاف نفيا وإثباتا في اللفظ كقولك ما أحسن إلى زيد ولكن أساء والأظهر أن يكون استدراكا من نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية والمعنى